ابن النفيس.. مكتشف الدورة الدموية الصغيرة


رجاء عبدون - سوريا

ابن النفيس هو بلا ريب في طليعة الأطباء العرب الذين أنجبتهم أمتنا على مدى تاريخها الطويل، وهو يحتل مكانة فريدة بينهم نظرا لفضله في اكتشاف دورة الدم الصغيرة. اسمه علاء الدين بن النفيس القرشي الدمشقي، وقد عاش نحوا من 77 سنة قضاها بين دمشق والقاهرة. كان مولده في سنة 1210 م ،أيام كانت دمشق ولاية تابعة للسلطان العادل سيف الدين الأيوبي، وهو أخو صلاح الدين، بطل معركة حطين، وكانت تعم دمشق آنذاك نهضة علمية طبية عارمة. اذا كان قد أمها الكثيرون من أطباء بغداد وعلمائها.. أضف إلى ذلك أن حكامها وولاتها اندفعوا في غنشاء المدارس والمكتبات والمستشفيات، وكان المستشفى أو البيمارستان النوري.. نسبة الى مؤسسه نور الدين محمود بن زنكي، في طليعة تلك المستشفيات. 

ونشأ ابن النفيس وترعرع في ظلال تلك النهضة المباركة، وتتلمذ على "الدخوار" أشهر أطباء العصر ورئيس أطباء سورية ومصر في تلك الأيام، وتتلمذ ابن النفيس أيضا على طبيب آخر شهير هو "عمران الاسرائيلي"، وكان البيمارستان النوري بمثابة الكلية التي استكمل فيها ابن النفيس تحصيل الطب ودراسته دراسة نظرية وعملية مستوفية. 

وقد مارس الطب والتشريح في ذلك المستشفى إلى أن تم انتقاله إلى القاهرة، وتوجه ابن النفيس إلى العاصمة المصرية سنة 1236 ،وجاء انتقاله إليها بناء على استدعاء السلطان الكامل محمد إليها وما كان السلطان ليستدعي ابن النفيس بقصد العمل في عاصمة ملكه لولا شهرته وكفاءته علما بأنه كان صغير السن ولم يجاوز 26 سنة. 

ومارس ابن النفيس الطب في القاهرة على نطاق واسع.. وفي البيمارستان الناصرى بالذات أشهر مستشفياتها آنذاك. وفي القاهرة قام ابن النفيس بأكثر أبحاثه وكتب أكثر مؤلفاته، وكان غزير الانتاج اذا أراد التصنيف توضع له الأقلام مبرية، ويدير وجهه الى الحائط، ويأخذ بالتصنيف املاء من خاطره، ويكتب مثل السيل اذا انحدر، فاذا كل القلم وحفى، رمى به وتناول غيره لئلا يضيع عليه الزمان في برى القلم. 

ويروى عنه أنه دخل مرة الى الحمام في أحد الأحياء الشعبية، وأثناء استحمامه خطرت له فكرة، فخرج الى مشلح الحمام واستدعى بدواة وقلم وورق وأخذ بتصنيف مقالة في النبض الى أن أنهاها ثم عاد ودخل الحمام وأكمل استحمامه. وتوفي ابن النفيس سنة 1288 م ، أثر مرض أصابه وطال أمده ستة أيام. 

وعلى كثرة ما كتب ابن النفيس وألف في الطب فإنه اشتهر باكتشافه دورة الدم الصغيرة، وهذه هي التي تجري في الرئة وتشمل مرور الدم من الشريان الرئوي إلى الوريد عن طريق الرئة، أما دورة الدم الكبيرة فهي التي تتم في بقية الجسم، وقد اكتشفها العالم البريطاني وليم هارفي. 

وتجدر الإشارة إلى أن فضل ابن النفيس في هذا الصدد ظل مغمورا طيلة القرون السبعة الماضية، فقد نسبوه خطأ الى سرفتوس وغيره من علماء الغرب، حتى جاء الطبيب العربي المصري الدكتور محيي الدين التطاوي فأقام الدليل القاطع على أن ابن النفيس هو بلا نزاع مكتشف الدورة الدموية التي وضعها في هذا الموضوع والتي نال عليها شهادة الدكتوراه سنة 1924. 


أحدث أقدم