القائمة الرئيسية

الصفحات

اسماعيل سطوري يكتب.. " الإلحاد فرضية مستحيلة "

 


سماعيل سطوري


سنتعرف في هذا المقال عن الإلحاد،فما مفهومه؟ ولماذا هو فرضية مستحيلة؟ الإلحاد لغة هو الميل عن القصد والحق؛ أما اصطلاحا فهو مذهب فكري ينفي وجود خالق للكون، ينكر وجود الإله وله موقف عدائي للدين.

الإلحاد يعني أننا أبناء الطبيعة ننتمي فقط لهذا العالم المادي، ذرات دماغك هي نفس ذرات المادة، تحكمنا نفس القوانين التي تحكم قطعة الحجر حسب تعبير "كارل سيغن".


الإلحاد يعتمد على إنكار البديهيات العقلية كبديهية السببية والإتقان بديهة أنك موجود، وخز الضمير الأخلاقي"افعل ولا تفعل"؛ يعتمد على تجاهل الفطرة البشرية، ذلك العلم الفطري الضروري بأن لنا ربا خلقنا وكلفنا ونلجأ إليه عندما تحل بنا المصائب كالغرق في البحر، وفي الحروب...


فنحن من نظرة إلحادية كائنات جبرية نخضع لقوانين المادة، نسير في معادلات حتمية ليس لنا حرية الاختيار أو حرية الإرادة، فحسب تعبير "سام هاريس":"فالإرادة الحرة مجرد وهم"؛ فكيف إذن ندرك بأن هناك شبهات في الدين؟ لو كان الإلحاد صحيح لم نفهم أصلا بأن هناك شبهات، لأن الشبهة تعني أن شيء قد حصل والمفروض أنه لا يحصل إلا وفق ضوابط معينة.


فداخل العالم المادي الجبري محل الأحداث هو نفس المحل الذي تسير عليه القوانين الفيزيائية؛ فكل ذرة في هذا العالم المادي، وفي دماغ كل إنسان تسير وفق قوانين فيزيائية جبرية حتمية مادية صارمة؛ لا توجد ذرة تخالف قانون فيزيائي، فكلمة كان من المفترض تعني أن هناك اختيارية وأن هناك حرية إرادة؛ فإذا كان الإنسان يدرك بأن له حرية الإرادة والاختيار، هذا يعني بأنه مكلف، أي أن نفعل كذا ولا نفعل ذلك؛ إذا بفطرتنا ندرك بأن هناك عالم اختياري تكليفي بجانب العالم المادي.


يعتبر عصر التنوير بداية تمرد الإنسان عن اللاهوت، حيث دعا أنه يمكننا إقامة النظم الاجتماعية على أسس عقلانية، وأصبحت الدولة إله العقلانية الجديد، وبه بدأ التبشير بالسلام الأبدي بين الشعوب، إذ أن الحرب لاعقلانية، عندما بدأ فلاسفته بالعلمانية؛يفاجئنا هذا الإله الجديد حيث قامت بإسمه حروب طاحنة لم تعرف البشرية مثلها على مدار تاريخها، فكانت النتيجة موت الملايين من البشر، اعتقدنا بأن العلم قد يساعدنا في تحقيق الرفاه الإنساني، فإذا به يفاجئنا بالقنبلة النووية.


فأصبحت لدينا روايتنا؛ الرواية الأولى تقول:" أن الله خلق الإنسان وكرمه وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، ووهبه العقل ليعرف به منافعه ويتقي به هلاكه، وأنزل عليه أسسا يقيم عليها اجتماعه، ويعرف بها حقوق نفسه وحقوق الأخرين عليه"؛


أما الرواية الثانية: " الإنسان سيد الطبيعة فقد سخرها لنفسه باستخدام العلم والتقنية، وقد استخدم عقله لينتج به أفضل الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية"؛

فتأسيس النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية دليل قاطع على أن الإلحاد خطأ وهو مرحلة من مراحل الجنون البشري؛ فإدراك الغائية الأخلاقية المغروسة في فطرة البشر هي نتاج لشيء لا ينتمي إطلاقا للتصور العبثي العدمي الإلحادي، ولهذا هناك معيار تكليفي داخل كل إنسان، وأننا لسنا أبناء الطبيعة الجبرية، فالعالم المادي بريء أخلاقيا لا يعرف الفرق بين الخير والشر، فقط تحكمه فيزياء حركة الذرات، فالإنسان هو الوحيد الذي يستوعب القيم الأخلاقية المطلقة التي نحاكم إليها تصرفات وسلوكيات البشر.


الإنسان ليس على طراز الطبيعة بل دخل لهذا العالم برصيد أخلاقي مبدئي هائل ومكلف، تلك هي اللحظة التي صنعت عصرا جديدا؛ الإنسان لا يستطيع أن يكون حيوانا، أي بريء من الناحية الأخلاقية لا يحمل أي صورة بدائية للقيم أو الغاية، يدور فقط حول الغريزة والاستجابة؛ بل أتى لهذا العالم مكلفا يحمل القيم الأخلاقية المطلقة يعرف ويفرق بين الخير والشر، العدل والظلم...هذه القيم تنتمي لتكليف الإلهي وليس الطبيعة والمادة؛ إذن خيارنا الوحيد أن نكون صالحين أو فاسدين حسب تعبير "بيجوفيتش".


ففي القرن 19م، عرف الفكر الغربيإقصاء ودفع كل التمظهرات الدينية نحو هامش الحياة العامة؛وتجلى ذلك بعدة رؤى فلسفية "الداروينية، الماركسية، الليبيرالية"؛ ثم بإعلان مدوي لصاحب النظارات الألماني"فردريك نيتشه":"أن الإله قد مات، وهذا يعني ميلاد أحقر الكائنات على الإطلاق، كائن يدعى الإنسان الأخير، الإنسان الذي يقضي على الإنسان وللأبد"؛ما المقصودبموت الإله كما يزعم "نيتشه" وإيجاد أحقر مخلوق؟إن الحضارة الغربية في عصر الحداثة وما بعدها هي الحضارة الأولى والوحيدة التي تجيب بلا أدري على سؤال: هل للحياة معنى؟فالإنسان الأخير عند "نيتشه" هو الذي يقدس متعته، ويعمل كل شيء بغرض التسلية، ويصر بسذاجة أنه اخترع السعادة بتجاهله للأسئلة الكبرى، فهو لا يدري ما الحب ولا الإبداع ولا أي قيمة ممكنة.


ليأتي إعلان صاحب النظارات الفرنسي "ميشيل فوكو": " لقد مات الإنسان، عفوا، لم يمت، بل لم يوجد من الأساس لقد كان اختراعا اخترعناه"؛لماذا أعلن فلاسفة ما بعد الحداثة الغربية موت إنسانية الإنسان؟أليس الإنسان هو الإنسان؟ كيف يمكننا اختراع أنفسنا؟


قلنا بأننا قادرون بالعقل وحده على انتاج معنى للحياة، وأصبحت الوجودية موضة شائعة في وقتها ثم ما لبتت حتى سقطنا في فخ العبثية والعدمية التشاؤمية العميق؛ كان إيماننا بالعقل عميقا بتخليص الإنسان من مشاعره وأنانيته وعبادة متعه، لكن ما حدث العكس تماما، انغمس إنسان العصر الحديث في الاستهلاك،وأصبح أداة طيعة في يد الشركات التي تختصر إنسانيته في قدرته الشرائية وما يمكنه امتلاكه عندما يستهلك؛ وفي إنتاجيته عندما يكون عاملا لديها،عوض أن يساهم في الصالح العام فأصبح الإنسان ذو البعد الواحد، واحتلال الهموم الفردية للمساحة العامة حسب تعبير "زيغمانت باومان".


فبالعقل نميز الخطأ والصواب وهو مناط التكليف، أما إلحاديا لا وجود للعقل فقط يوجد الدماغ، الذي هو عبارة عن نشاط عصبي كهربي يخضع لقوانين فيزياء الذرات، ولايمكننا أن نصدق بمخرجاته التي عبارة عن أفكار، فإفرازات هذه الأفكار تجعلنا نشك فيها ولا نثق بها، لأنها تطورت عن حيوان بهيمي أدنى حسب تعبير "داروين"؛فالبشر إلحاديا مجرد وسخ كيميائي بتعبير "ستيفان هوكينغ"؛ ليس لدينا أي حقوق لأننا مجرد حشرة بتعبير "سارتر"؛ لأننا مثل الفطريات المعوية، تطورنا في الأصل من بكتيريا أحادية الخلية، مرورا بحيوان بهيمي أدنى؛لهذا لا يوجد أي مانع إلحادي من إبادة كل الأعراق البشرية، لا يوجد أي مانع إلحادي من ارتكاب الجرائم أو من الاغتصاب، لأنه مجرد إفراط حركات ناتجة عن نشاط عصبي كهربي؛ لأننا لا يمكن أن نحاسب النمر على لون وبره لأنه مخطط باللون الاسود والبرتقالي حسب تعبير "دوكنز"؛ فمن واقع إلحادي لا يمكن أن نعطي أي كرامة لأي إنسان بل أنت مجرد ترس في عجلة توجد في آلة داخل معمل، بتعبير آخر مجرد حيوانات تتصارع من أجل البقاء.


فاستيعاب الإنسان للقيم الأخلاقية المطلقة والصواب الخطأ، هذا يؤكد بأن الإلحاد خطأ؛ لأننا نقع في التناقض بين إدراك الإنسان بأنه حر، والتصور الجبري الإلحادي؛ هذا التناقض يصيب بالفزع حسب قول "ريتشارد دوكنز" وهذه هي معضلة الإلحاد؛ لأن الظاهرة الإنسانية معقدة ومركبة في آن واحد، مركب من جسد وروح، فمن خلال الروح وتكليف الذي في فطرتنا ندرك بأننا مكلفون، ولهذا تم إنشاء المحاكم وتشريع القوانين، وترتيب الجزاء على تصرفات البشر، وأننا مسؤولون عن سلوكياتنا؛ لكن إلحاديا السؤال المطروح لماذا نحاكم مجرما على جرائم القتل والاغتصاب؟ بالرغم من أن العلم يثبت بأن البشر لديهم جينات تسمى "هرمونات الإجرام، وهرمون البيدوفيليا...".


فتتصاغر معه الإنسانية والحضارة، فيستخدم مفهوم الإنسانوية لا بوصفه يشمل البشرية جمعاء، بل كإقصاء لأناس بعينهم "نزع النوعية الإنسانية"، وأصبح أداة يستخدمها القوي لإلغاء ما يريد ومن يريد، وأصبح شعار فارغا من المضمون يستخدمه دعاته ليتجنبوا به أن يقرروا بشكل واضح من يحبون ومن يكرهون، كما يقول روائي العدمية "ألبير كامو": "غالبا ما تصحب المشاعر الإنسانوية كراهية عامة للإنسان نفسه"؛ نعود للتنبؤ الفيلسوف الألماني "نيتشه": "لقد وقع التناقض بين ما نعيشه وما نبجله، فإما أن نقضي على ما نبجله، أو أن نقضي على أنفسنا بأنفسنا".


بدون الإيمان بالله لن يكون للعقل وجود، وبالتالي فليست هناك آلية نثق من خلالها حتى في الإلحاد نفسه، أما قرارات العقل وأحكامه إذا كانت صحيحة فهذا لا يتأتى إلا بالإيمان بالله؛عبر كل التاريخ البشري في كل قرية أو مدينة نجد معبدا فهذا دليل أن كل البشر على الفطرة الدينية؛ حسب تعبير "المسيري":"الفلسفة الهيومانية في الغرب "دعاة الإنسانوية" بتأكيدها القيم الأخلاقية المطلقة هي تعبير عن الإله الخفي، وعن البحث غير الواعي من قبل الإنسان المادي عن المقدس"؛ كما يقول "علي عزت بيجوفيتش": "إن لم يكن الله موجودا فالإنسان غير موجود".