القائمة الرئيسية

الصفحات

فليتهامسون.. بقلم سمية عبد القادر

 


سمية عبد القادر - مصر


فليتهامسون..


بينما كان يقبلُ طفله ويُلاعبه كانت الأعيُن تُبدي تهامُساً مكشوفاً، فأبناء الحي يتغامزون عجباً ويُنكرون تصرفه ولربما كانوا مُصيبون حسب ما اقتضى الحالُ لديهم..

فهذا يشير: ما هذا الصديق الذي بدلا من أن يمُكث ببيته ليذرف الدمع على صاحبه لأيام إذ به يُقلُ ولدهُ للمدرسة.

وذاك يعقب:


ـ كيف لم يهزهُ ذلك المشهد الرهيب؟ لقد كان حادثاً مُفزعاً حتى أنه قد أصيب معه لكن كُتبت له النجاة.

أما ثالثهم  فقال: لا عليكم فهكذا يكونون غيرَ الأوفياء

ليتدخل رابعهم:


ـ لا أحسبهُ كان قريباً منه لقد جمعتهم زمالة العملِ فقط.


مر أحدهم ليُغلق ذلك التلاسن:


ـ  أأُخُبركم أمراً  فلتدعوه وما به لا تقضموهُ بكلامكم.

ـ لماذا؟ ألم ترى ضحكته وهو يودعُ طفله.

ـ أكان عليه أن يصرُخ عليه وهو لا يُدرك شيئاً بعد عن الفراقِ وحُرقته، أم يضحى عابساً ومُتجهماً لكلِ من يُقابل، ثم الحزن لا يعني أن تكون جلاداً على نفسك ومن حولك.


ـ مهلاً ولكنه لا يستدعي أيضاً أن يغدوَ المرءُ مُتبسماً هكذا، أنظر إليه وهو يبتاع لولده بعضَ الحلوى ولبعضِ الصبيةِ الواقفون، ليلحظ هو بذاته بريد الإنكار والحنق في نظراتهم، دفن الدمع في أضلعه كمداً ثم أكمل سيره ماراً على بعض من يفترشن الأرض ليسلقن كل عابر بألسنتهن هزلا وبالطبع لن يسلم هو وزوجته من حصائدهن لتتساءل إحداهن أين هي زوجته توصلُ عنه اِبنه في تلك الحالة؟ لتكمل من تجلس جانبها شيئٌ غريب:  أنه قليل ما يوصله  فماذا الذي دعاه اليوم إذن؟


ولج المنزلُ هائماً في نفسه، فالقلب قد أضناهُ الحزن وأعيتهُ الظنون، متألمٌ مما بدا في عيونهن، هل فعل شيئاً يثيرُ الغضب عليه عدا أنه أحس بصغرِ هذه الحياة التي تمر دون أن ينتبه المرء فيها لأولوياته، ولعُمرٍ ما أعجله كطائرٍ لا يترجلُ عن التحليق إلا عند الوصول لداره الأخير،إنه لشيئ مُفرط ومكلف في حق النفس أن يكون المرء كالمعقود من رقابه تدورُ به الطواحين.


أتى يومُ الإجازة، كان منغمرٌ في التوضيب لرحلةٍ مع أسرته، والجميع من حوله يضربون كفاً على كف، أي نذالةٍ تلك؟ تجاهل ما قيل ولربما هم محقون حسب ما ظهر لهم وجهٌ لامع من الفرحة، ربما لو أبصروا ما خلف النوافذ  من حُزنٍ في الجُرحِ مُجتمع لميزوا تلك الابتسامة المُلتاعة، فالكثير والمرير من اللوعة تقبعان في حلقه كلُ شيئ يمرُ غصةً وعلى غيرِ عادته قرر ألا يُحمل أسرته ما لا يد لهم فيه وليخلع عنه ما يلقاهُ خارجاً على عتباتِ لقياهم وقطع التبرم والسخط عليهم لشيئٍ ما ضايقه، لقد تيقن أن الحياة ستُغمضُ أجفاننا في أي وقت {والموتُ طارق طرقنا في أي لحظة} وعمرنا يمرُ أقصى من قطار دون أن نهنأ بأحبابنا ويسعد أحبابنا بنا وحيث آلمهُ الرحيل، فقد علمه أن تقطُع التواصل بين الأحبة قد يقطع الصلة بهم، وأن اهتمامنا بمن نحب يجعلهم يفتقدون لنا من بعد سماعه أهل صديقه وهم ينعون رحيله وفداحة العذاب الذي سببه لهم الفراق  كم كان يرعاهم ويهتمُ لحالهم ليعود صداهُ عليه باِنتباهٍ أيقظه، فعزم ألا يُضيع دقيقة بعد الآن إلا بالسعي لراحتهم لقد أدرك في قرارةِ نفسه: أن من النبل مع من نحب أن نكون حاضرون حيث يريدونا، لقد ابتعدتُ كثيراً عن أسرتي وحان وقت الرجوعِ لهم فهم من تستقرُ الحياةُ بهم بعدما برهنت لي الأيام أن ليس ثمة علاماتٍ للفراق.


فليتقولون ما يريدون فلم يكن الوفاء أن أُعلن البكاء الذي مهما اعتصر به ليريحه يضنُ عليه حارقاً الحُزن جفنه، وليسمن شروط الفقد أعتزال الحياة ونعي الحظ في الحياة اِنتحاباً، لقد مكث الحزنُ في قلبي حتي رثاني الدمع الذي لم يُعيد يوماً غائب، وأن جُل ما يحتاجه الراحل دعائنا لهوخيراً جارياًنفعلهُ براً له، وحنينٌهو سيلٌ من محبةٍ واشتياق يتجلي في سؤالٍ عن عائلته  وتفقد أحوالهم، وبهذا يحفظ له وده بعد الرحيل، فليتهامسون قدر ما يستطيعون فهم لا يدرون ماذا يعني الفراقُ وغصته؟