القائمة الرئيسية

الصفحات

اسماعيل سطوري يكتب.. "هيمنة العلمانية على الفكر الإنساني"


اسماعيل سطوري


 سنتحدث في هذا المقال عن العلمانية "بفتح العين واللام "Secularism، والفرق بينها وبين العلموية "بكسر العين "scientism، نشأة المصطلح من طرف الكاتب البريطاني جورج هوليوك عام 1851، لكن بوادره ظهرت في أوربا منذ القرن 15م، ودخول العالم الغربي لعصر الحداثة، والمقصود بالحداثة هي بنية فكرية لها تصور خاص للكون وللإنسان والطبيعة والتاريخ، يقوم بنزع القداسة من رجال الدين واللاهوت وحلولها في الإنسان، فأصبح الإنسان هو المقدس، لأنه قادر على إدراك الحقيقة وإعطاء معنى للوجود، ثم تطور هذا الفكر في عصر الأنوار، بظهور المدرسة العقلانية ليتم تمجيد العقل البشري وإطلاق العنان له، لبناء النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية للمجتمع الغربي، فنتج عن ذلك العديد من الثورات التي عصفت بالأنظمة التقليدية بأوربا، وافراز العقد الاجتماعي الذي يحدد الحقوق والواجبات لكل الأطراف في المجتمع، وبروز مفهوم الدولة الأمة أو القومية بعد ذلك، التي تسهر وتحافظ على تطبيق  القوانين الوضعية التي سنتها جماعة من الناس تم اختيارهم من طرف أغلبية المجتمع.


فالعلمانية أو الدنيوية، هي سيرورة للتخلص من سلطان الكنيسة في باب الحقيقة والمعرفة، أي صراع العقل مع الإيمان، وتمرد العقل عن الوحي؛ فهي إذن رؤية فلسفية تجعل الإنسان يصدق فقط بما يدركه العقل والحواس، أي لا يتجاوز حدود مجال بصره وانحباسه في قفص العالم المادي، هذا يدفعنا إلى طرح مجموعة من الأسئلة، هل الإنسان طبيعي مادي محض؟ أم هناك ثنائية مادية روحية للإنسان؟ إذا كان الإنسان يتكون من جانب مادي وروحي، فما هو موقع الدين في عصر الحداثة وما بعد الحداثة؟ وهل الدين ظاهرة طرأت على حقيقة الإنسان؟ أم الدين خاصية إنسانية ثابتة ولازمة لا تستغني عنها المجتمعات؟


بما أننا ندرك أن هناك ثنائية مركبة في الإنسان أي أنه يتكون من مادة وروح، والدليل إدراكه للفن والجمال والإبداع، وإعطاء معنى وقيمة للوجود، وتمييزه للمنافع والأضرار، وأنه مسؤول عن كل أفعاله وممارسته وسلوكياته، وتأسيسه للنظم وإنشاء مؤسسات تشريعية وقضائية، كلها براهين قاطعة بأن الظاهرة الإنسانية هي مركبة ومعقدة في آن واحد، ولا يمكن تحليلها في إطار مادي محض، خاضع فقط لقوانين الطبيعة الحتمية.


أما الجواب عن موقع الدين في العلمانية عصر الحداثة وكدا ما بعد الحداثة، هو ما يحيلنا إلى إحدى التفسيرات العلمانية السياسية والتي تنادي بفصل الدين عن الدولة، وهنا يظهر لنا أن العلمانية تنقسم إلى قسمين علمانية جزئية وعلمانية شاملة؛ فالأولى " الجزئية" تتسامح مع حرية المعتقدات الفردية، وبتواجد الدين في الحياة الفردية للأشخاص، لضبط الجانب الروحي في الإنسان والارتقاء به وتزكيته.


أما العلمانية الشاملة، فهي إقصائية لكل التمظهرات الدينية، وتعمل بكل ما لديها من قوة إلى تحييد البعد الديني في الحياة العامة، ثم لا تكتفي بذلك عندما تتطاول على الحياة الفردية، ضاربة بعرض الحائط كل الشعارات الرنانة التي تدعو إلى الحريات الفردية: "من معتقدات وآراء والتعبير...".


أما فيما يخص مفهوم العلموية "scientism"، فالمقصود به هو أن الإنسان يستقي المعرفة من العلم التجريبي، ويعتمد فقط على المنهج التجريبي المحض وأنه هو الطريق الوحيد للمعرفة، لأنه المنهج الموضوعي، وتقديس أسطورة موضوعية نتائج المختبرات.


فهل يكتفي الإنسان لاكتساب المعرفة على العلم التجريبي فقط؟ مما يكتسب الإنسان المعرفة، وماهي المنابع التي ينهال منها؟ هل العلم التجريبي قادر على إيجاد كل الأجوبة التي تشغل الفكر الإنساني، حتى الأسئلة الوجودية الكبرى؟ هل هناك حدود للعلم التجريبي لا يمكنه تجاوزها؟


هناك مصادرة على المطلوب عندما يقول دعاة العلموية بأن العلم التجريبي قادر على حل كل المشاكل وإيجاد حلول لها، وأن ما لا يمكن للعلم أن يقيسه ويختبره ويتوقعه فهو شيء غير موجود.


هناك حصر المعرفة عند المدرسة الوضعية بالخصوص، عندما اعتمدت فقط على أن المعرفة الانسانية هي ما يمكن التحقق منه ورصده من قبل الحواس، وخضوعه للتجربة الحسية وما يرتبط بها من استدلال منطقي ورياضي، مما جعلها تتعرض للكثير من النقد.


هل نسلم بما ترصده الحواس، أم أن المحسوسات تكون خادعة في كثير من الأحيان؟ الجواب عن هذا التساؤل، هو ما نراه بالعين المجردة في مسألة الظل، عندما تنظر له فتراه تابت، لكن بالتجربة والمشاهدة بعد ساعة من الزمن يتبين لنا بأنه متحرك؛ فهذا دليل قاطع على أن الحواس تكون خادعة في بعض الأحيان.


فالعلم التجريبي قاصر عن إدراك الحقيقة في شموليتها، فهو يجيب عن سؤال كيف؟ فيبحث عن الأسباب والعوامل التي أدت لحدوث الوقائع والظواهر، ويعطي تفسير لها، بل هناك حدود للعلم التجريبي لا يمكنه تجاوزها وهو ما تم الاتفاق عليه بين كل العلماء بوجود "جدران بلانك"، فنهيك عن أسئلة الغاية والمنشأ، أو ما نطلق عليه الأسئلة الوجودية، التي لم تستطع كل الفلسفات عبر التاريخ البشري الإجابة عنها، فقط من يملك الأجوبة عن هذه الأسئلة: لماذا نحن هنا؟ ما الغاية من هذا الخلق؟ إلى أين المصير؟  هو الوحي الإلهي؛ مما جعل " دوكنز ولورنس وغيرهم من دعاة العلموية، الإلحاد الجديد" يقولون لا يجب أن يتم طرح سؤال لماذا؟ لأن لماذا تقود إلى الله عز وجل؛ فالعلم التجريبي يبحث فيما هو كائن ويعطي تفسير له، لا فيما ينبغي أن يكون.


فالحواس إذن هي وسيلة تحصيل المعرفة، أما العقل هو المنشأ الأول والأساسي للمعرفة، هنا يجب أن ندرك بأن العقل غير مادي، "ما توصل إليه، بنفيلد ثم روجر سبيري"؛ إذا فالضامن الأخير لأمانة الانطباعات المعرفية هو الله سبحانه، حسب تعبير "ريني ديكارت"؛ نستنتج أن المعرفة تتم بالخبرة الحسية والمبادئ العقلية، فهذه الأخيرة هي الفطرة، وكدا بالخبر الصادق، فأغلبية الناس لم ينظروا إلى منظار هابل الفضائي، ولكن يصدقون بذلك لأنه وصل لهم عن طريق الخبر من عدة شهود عيان.


فعندما نكتفي فقط بالعلم التجريبي في المعرفة الإنسانية، سيتم غلق مجموعة من الجامعات والكليات التي تدرس العلوم الإنسانية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، بل حتى فلسفة العلوم وتاريخ العلوم سيتم انتهاء منه، وإقفال كل هذه الأبواب المعرفية، فالعلم التجريبي قاصر عن إدراك مفهوم القيمة والأخلاق والجمال، لا يفرق بين الخير والشر، وأن الصدق أفضل من الكذب؛ يقول "شرودنغر في كتاب الطبيعة والإغريق": "أنه مصدوم من قصور العلم أمام كل المواضيع التي تشغل تفكيرنا، فالعلم يصمت أمام ما يلامس شغاف قلوبنا، أن يعطينا معنى للألم، أو يعرف لنا القبح، أو الجمال." بتصرف.


إذن نحن أما رؤية فلسفية تجعل الإنسان أن يختار إما أن يسير وراء هذه الإيديولوجية المادية الغربية التي تعيش في أزمة معرفية وقيمية وأخلاقية، أو أن يتحلى بإنسانيته وقيمه، والتمسك بأخلاقه والمحافظة على تراثه وهويته؛ هذه العلمانية المتطرفة رأيناها في بلد الاحتلال فرنسا بالخصوص، يتزعمها اليمين المتطرف؛ إلا أن ما يندى له الجبين، هو أن نسمع  بامتدادها إلى إمارة المؤمنين المملكة المغربية، التي ينص دستورها على أن الدين الرسمي في البلاد هو الإسلام؛ وما وقع في إحدى المطاعم بالعاصمة الرباط بمنع إحدى المواطنات من دخول المطعم بحجة أنه ممنوع دخول المحجبات؛ دليل على أن هذا الميز العنصري الفج، من صاحب المطعم ينذر بأزمة أخلاقية تسربت للمجتمع المغربي، وأفول واندثار سلطان البيئة الظاهرة، أمام تغول وهيمنة سلطان البيئة الغربية الوافدة منذ زمن الإحتلال، بل تجاسرها في عصر ما بعد الحداثة، فصمت الإعلام والفاعلين السياسيين والحقوقيين عن هذه الجريمة النكراء، وعدم التعبير عن الامتعاض والتنديد، وتقديم المسؤول عنها إلى المساءلة القانونية، ما هو إلا تطبيع مع هذه الإيديولوجية المتطرفة، والتي تعتبر بمثابة طاعون العصر، الذي سيعصف بمجتمعنا، وما يمكن أن يترتب عنه من عواقب وخيمة؛ من انقسام وتفرقة بين أبناء الوطن الواحد، وبإقصاء ودفع كل المظاهر الدينية نحو هامش الحياة العامة؛ ويصبح الدين مجرد ترف فكري، وليس ضرورة إنسانية، بالرغم من أن الإنسان في الأصل مفتقر ذاتيا وضروريا إلا وجود الله عز وجل.