اسماعيل سطوري.. من أجل التغيير

Download Free Game



من أجل التغيير


يقول المثل الياباني: "ابتعد سبع خطوات لكي لا تدوس على ظل أستاذي "

أما المثل العربي: "قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا"

سنتحدث في هذا المقال عن التعليم بالمغرب والمشاكل التي يتخبط فيها، وسنقوم بسرد بعض الأحداث التي عرفتها المنظومة التربوية، منذ القرن 19م، والأزمة التي تعاني منها، هي إن صح القول ليست أزمة بل معضلة التعليم بالمغرب، مثل معضلة البطالة، ومعضلة الأخلاق وانهيار منظومة القيم.


بدأت بوادر الإصلاح في مجال التعليم منذ السلطان الحسن بن محمد بن عبد الرحمن، وشملت إحداث مؤسسات التعليم النظامي بالمغرب، وإرسال بعثات طلابية للخارج، وإعطاء تحفيزات للعلماء والفقهاء، وكدا للطلبة المتفوقين، وتشجيع طباعة الكتب، وتحديث أساليب التدريس، وإدخال مواد جديدة....

وكل هذه الإصلاحات كانت بهدف محاولة إرساء دولة حديثة ومستقلة، وإبعاد كل الأطماع الإمبريالية عن المغرب، لكن تعاقب الأحداث أدى إلى فشل الإصلاحات وسقوط المغرب في الحماية الفرنسية، فكانت أول المعارك هي اغتيال العلماء وفقهاء جامعة القرويين بفاس "انتفاضة فاس سنة 1911م".


لكن المحتل الفرنسي قام بإنشاء مؤسسات التعليم،  لأبنائه وأبناء الأعيان ورجال المخزن، فأنتجت لنا هذه المدارس الحركة الوطنية، التي ستقود المغرب نحو الاستقلال، منذ ذلك الحين بدأت المملكة الشريفة، إدخال عدة تحديثات في السياسات العامة، فكانت المواجهة مع رجال ونساء التعليم منذ ستينيات القرن الماضي " مارس سنة 1965م"، ثم توالت الأحداث خصوصا بعد التقويم الهيكلي في أوائل الثمانينيات، وبدأت كل أساليب التنكيل والضرب من تحت الحزام، موجهة للأساتذة والأستاذات، لكن بدأنا نلمح انفراج يلوح في الأفق منذ حكومة التناوب وبداية العهد الجديد، إلى حدود منتصف العشرية الثانية من القرن 21م، "عادت حليمة لعادتها القديمة"، خاصة بإصدار القرار المشترك بين وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، ووزارة المالية في أكتوبر 2016م، ومحاولة إرساء نظام التعاقد في التعليم، " التوظيف بالعقدة"، لتكريس الهشاشة في المنظومة التربوية.


يصرح السيد وزير التربية والتكوين، في قبة البرلمان وكدا في خرجاته الإعلامية: "بأن التعاقد لم يعد موجودا إلا في عقول الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، كما يقول بأن لا أحد فرض عليهم ذلك، بل هم الذين تقدموا للمباراة التوظيف مع الأكاديميات بمحض إرادتهم، ثم يستدل على ذلك بالإحصائيات "ارتفاع عدد المتقدمين للمباراة بمتتالية حسابية" حيث بلغ زهاء 300 ألف مترشح في 2021م، ثم استرسل في حديثه بأنه تم تحسين النظام الأساسي الذي أصدرته المجالس الإدارية للأكاديميات، وتم تجويده وإضافة عدة مواد "يحتوي أكثر من 100 مادة"، وأصبح مكافئ ومثيل للنظام الأساسي للوظيفة العمومية الخاص بقطاع التعليم 1958م، وأكد بأن التوظيف الجهوي هو خيار استراتيجي لا محيد عنه ولا يمكن التراجع عليه، في إطار ما تعرفه الدولة من إصلاحات جديدة للإدارات والمؤسسات العمومية ضمن ورش الجهوية الموسعة والمتقدمة."


لابد أن نفند تصريحات السيد وزير التربية والتكوين، في إطار ما يضمنه الدستور المغربي من حقوق "حق التعبير وحرية الرأي...."، سنبدأ الرد بما انتهى به السيد الوزير، أي جهوية نريد؟ إذا كان الفاعل السياسي حائر بين الجهوية المتقدمة والموسعة، وأي اختيار سنسلكه في مغرب العهد الجديد، مغرب المستقبل.

وهل لدينا الآليات والوسائل لإرساء هذه الجهوية؟ أما يجب تحيين الترسانة القانونية والتنظيمية للجماعات الترابية التي نص عليها دستور المملكة 2011م، والقوانين المنظمة لها: "111.14، 112.14، 113.14"، لأن هناك اختصاصات ذاتية، منقولة، ومشتركة؟


سيدي الوزير مسألة اللامركزية واللاتمركز الإداري، هذا الورش بدأ الإصلاح فيه بالمغرب منذ القرن 19م، وكانت عبارة عن مقترحات من طرف القنصل الانجليزي "جون دراموند هاي" للسلطات المخزنية، وتم إعطاء صلاحيات للسلطة المحلية في عهد الحماية، وكذلك منذ الاستقلال وجميع الدساتير المغربية تؤكد على ذلك، لكن الواقع الملموس يشير إلى العكس من ذلك لعدة أسباب، من بينها أن من يملك السلطة والسيادة لا يريد التنازل قيد أنملة عن امتيازاته، والسبب الثاني ترهل الأحزاب السياسية، وضعف الفاعل السياسي والاجتماعي والمدني.


هل لدى الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، القدرة على تحمل هذا العبء، وعندما نقول القدرة نقصد الموارد والإمكانيات البشرية والمالية واللوجيستيكية؟ وهل كل الأكاديميات الجهوية على قدم المساواة في هذه الموارد والإمكانيات؟

أما مسألة لا يمكن أن تتراجع الدولة عن هذا الخيار، فنقول بأن الدولة تراجعت عن قرارات سيادية عندما تستهدف تحقيق أكبر المصالح والمنافع ودفع الشرور والأضرار وتجنب الفتن والأهوال، وأبرز مثال هو الوثيقة الدستورية التي تم تحيينها ست مرات، وكدا الرجوع لمنظمة الإتحاد الإفريقي، الذي يهم الوحدة الترابية للمملكة.

 أم هو فقط هروب نحو الأمام، واستخدام لغة الخشب، لأن التقارير الدولية تؤكد بأن اللجوء إلى هذا النوع من التوظيف بالعقدة، لتخفيض كتلة الأجور، وذلك بسبب ارتفاع حجم المديونية، وأن المؤسسات المانحة "البنك الدولي وصندوق النقد الدولي" هي التي فرضت هذا النمط من التوظيف؟


إذا كان ارتفاع كتلة الأجور في مجال التعليم هي السبب الرئيسي، ما هي كلفة الجهل؟ أو كم تقدر كلفة الجهل؟ فمؤسسة التعليم هي مصنع لبناء الضمائر، هي ورش لإنتاج مواطن الغد، المواطن الصالح الذي ينتج الثروة عوض استنزافها، وتلقن الأجيال الناشئة مبادئ المواطنة وحبَّ الوطن، لكي يساهموا في سمو مجتمعهم ورقيه وتنميته.

أما مسألة ارتفاع المديونية الخارجية، يتساءل أحد المواطنين ما فائدتها على الشعب المغربي، فقط يصبح رهينة للمؤسسات الدولية المانحة، وخاصة بعد تصريح إحدى المسؤولات فيها بعد تقديم استقالتها: "أن جل القروض التي تمنح للدول النامية لا تستفيد منها شعوب تلك الدول، بل يتم تهريبها نحو "الأفشور offshore".


أما مسألة ارتفاع عدد المترشحين للمباراة، خصوصا هذه السنة 2021م، هذا دليل على فشل الحكومات التي تعاقبت على حكم المغرب منذ الاستقلال، وخاصة هذه الحكومة الحالية، لأنها غير قادرة على إيجاد حلول ناجعة لاستفحال معضلة البطالة خصوصا لحاملي الشهادات العليا، لم تقم بتأهيل النسيج الاقتصادي لكي يكون قادرا على استيعاب جل خريجي الجامعات والمعاهد العليا، فهناك اختلال التوازن بين العرض والطلب، إضافة الى عدم تلاؤم التكوينات الجامعية مع متطلبات سوق الشغل، ومما زاد الطين بلة، وفضح المستور وكرس هشاشة القطاع الخاص بالمغرب هي جائحة كورونا " كوفيد 19"، وما فرضته من تدابير احترازية "حجر صحي وإغلاق كلي أو جزئي للمؤسسات الإنتاجية" وما أعقبه من تصريح لليد العاملة، ووضعها في حالة إعالة.


سيدي الوزير هناك اختلالات بنيوية تعرفها مؤسسات الدولة وخاصة المنظومة التربوية، أما الجواب على أنه فرض عليهم التعاقد، فلم تمنحهم الاختيار بين الوظيفة العمومية والتوظيف بالتعاقد، لأن الشباب المغربي بعد حصولهم على الشواهد الجامعية يكون أمام خياران لا ثالث لهما، إما الهجرة أو العطالة، عندما فتحت في وجهه المباراة بالرغم من شروطها المجحفة والتي تعتبر من عقود الإذعان "المذكرة الوزارية 866.16"، قبلها في الوهلة الأولى لمحاربة الإقصاء الاجتماعي والتهميش الذي كان يعاني منه في زمن البطالة، هذا لا يعني أنه سيظل تحت وطأة عقد الإذعان، طيلة فترة ممارسته للمهنة، بل سيطمح للمساواة والمناصفة مع زملائه الأساتذة والأستاذات المرسمين(ات)، وبالتالي الإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية.


أخيرا وليس أخيرا، نريد أن ننوه إلى مسألة مهمة وبالغة الأهمية، إن التعليم والتوظيف بالتعاقد فيه، ليست مسألة خاصة بالأساتذة والأستاذات الذين فرض عليهم التعاقد، بل هي قضية أمة ومجتمع بأكمله، لأن إذا أردنا أن تكون لنا قائمة بين الأمم، ونصبح في مصاف الدول المتقدمة، يجب أن نولي للمنظومة التربوية، كل الاهتمام ونرصد لها كل الإمكانات.


أما الذين يقولون بأن مطالب الأساتذة والأستاذات الذين فرض عليهم التعاقد، هو مطلب فئوي، وليس مطلب مجتمعي،

فالإجابة تكون بشقين، الشق الأول هو نعم نريد أن تتحسن وضعيتهم المادية والإدارية وما يترتب عليها من أثار نفسية واجتماعية، ويرتقوا في السلم الاجتماعي، لكي يمارس المدرس(ة) مهنته في أحسن الظروف، وهذا حق تكفله المواثيق الدولية والوطنية، ويستمد مشروعيته من القيم الكونية والموضوعية "كالمساواة، الإنصاف، والعدالة الاجتماعية..."، أما الشق الثاني فهو أن المنظومة التربوية يحدق بها خطر التسليع، في "عصر السيولة وشيوع ثقافة الاستهلاك"، ويصبح التعليم العمومي بضاعة لمن يعطي وينفق أكثر من ماله الخاص إذا أراد أن يعلم أبناءه.


أما ما رأيناه من قمع، سحل، تنكيل، اعتقال، ألفاظ نابية، وتدخل همجي.... في حق الأساتذة والأستاذات الذين فرض عليهم التعاقد، في احتجاجاتهم السلمية في الرباط وغيرها من المدن المغربية، ما هو إلاّ سلسلة من الردة الحقوقية التي يعرفها هذا الوطن الغالي على قلوبنا منذ 2017م، لكنها استفحلت وارتفعت حدتها بعد جائحة كورونا، فتغول رجال المخزن وأعوانهم، واستعمال السلطة القهرية والشطط في ممارستها، ينذر بأزمة أخلاقية يعيشها المجتمع المغربي بكل أطيافه، خصوصا بعد الافراط في استعمالها، وتوجيه الآلة القمعية لمربو الناس الخير "رجال ونساء التعليم"، والذين كانوا دائما محترمين وذوي هيبة في عيون الجميع، لخدماتهم الجليل التي يقدمنها للمواطنين، تكفيهم فخرا تربيتهم للأجيال على القيم والمبادئ المثلى، والأخلاق الفضلى.

ونختم بقول الشاعر: " إنما الأمم الأخلاق ما بقيت إن ذهبت أخلاقهم ذهبوا"


بقلم: إسماعيل سطوري.

هل أعجبك الموضوع ؟
Download Free Game

للتواصل عبر البريد

إرسال