محمد علمي يكتب: التسويق السياسي.. العلم الغائب



محمد علمي - المغرب 


قبل مدة انتهت فترة التسجيل في اللوائح الانتخابية التي مرت بشكل باهت مع دعوات محتشمة لبعض الأحزاب، كانت أغلبها تظهر السكيزوفرينية المرضية التي تعاني منها الأحزاب السياسية. فكيف تطلب من مواطن عازف عن المشاركة السياسية التسجيل بعبارات باردة وباهتة، وتخاطب جيلا جديدا بشعارات جوفاء، تدَّعي المثالية في زمن الواقعية والأوراق المكشوفة، وتعتمد وسائل تقليدية في العصر الرقمي وشبكات التواصل، وتدّعي في نفس الوقت حزب اللحظة والمستقبل.


إن عبارات مثل "صوتك فرصتك"، "الحق في التصويت"، "السياسة إن لم تمارسها ستمارس عليك".. وغيرها أصبحت أقرب للكوميديا السوداء من عبارات للإقناع لدى مواطن مدرك لأهمية السياسة، ولكنه فاقد الثقة بالسياسيين وبجدوى العملية الانتخابية ككل. وهنا يظهر جلياً التخلف الكبير للأحزاب في مجال التواصل وبالضبط بما يسمى "التسويق السياسي" الذي ظهر منذ قرون كفن للإقناع لدى اليونان، ليتطور خلال القرن العشرين بالولايات المتحدة، تحديداً لعلم له بنيته وقواعده ومنهجيته. ينطلق، وهنا يظهر انفصال القيادات الحزبية عن المواطن وحتى عن مناضليهم، من دراسة واقعية للمواطن وتحديد دقيق لما يريد وكيف يريده، وما يحتاجه ومتى يحتاجه.. هو علم يجتمع فيه علم الاجتماع والاقتصاد والسياسة وعلم النفس والإعلام.. وحتى الأحزاب التي تعتبر حاضرة بقوة، يبقى حضورها فضاً وشعبوياً مقترن بنعوت قدحية، بدل كونه قوة ناعمة مؤثرة مدروسة ومحددة الأهداف.


إن لعلم "التسويق السياسي" القدرة على الترويج لأفكار جديدة أو الدفع للقبول بواقع جديد كالحرب أو التقشف أو تبني إيديولوجية جديدة.. لذا قد يراه البعض خطراً على الديمقراطية لقدرته لتلميع وعود مستحيلة أو لتركيزه، بسبب العولمة وثقافة الاستهلاك على المظهر بدل المضمون. لكنه يبقى علم ضروري لتسويق الأفكار السياسية بلغة وصورة تواصلية فعالة، و بات من الضروري القطع مع الأشكال التقليدية للتواصل السياسي والانتقال للعمل الاحترافي حيث لا مجال للصدفة أو الخطأ.


وأذكر أنه مهما كانت النية صادقة والفكرة وطنية والبرنامج متكامل فبدون خطة تسويقية محترفة لن يحظى باهتمام الناخبين وسيبقى حبيس المواعيد الانتخابية.


الآن يعاد فتح باب التسجيل في اللوائح الإنتخابية فهل تستغل الأحزاب الفرصة وتتجاوز تعثرها وأخطاءها في التواصل الفعّال مع المواطن والذي سيعكس في أسلوبه تصور الأحزاب للمواطن.

هل أعجبك الموضوع ؟
أحدث أقدم