. براءة طفل وحكمة جد | أحمد الشحات
أدب بريس | منصة عربية للتدوين

براءة طفل وحكمة جد | أحمد الشحات


براءة طفل وحكمة جد

يمسك الجد أحد الكتب الأدبية غارقا في قراءتها، مرتديا نظارته المخصصة للقراءة والتي عدستها على شكل مستطيل، يقدمها إلى أول أنفه بتلك الطريقة يستطيع أن يرى الكلمات واضحة جلية، والكرسي يهتز برفق شديد يجعله فاقد الوعي فيما يدور من حوله وواعيا فقط في القراءة.


يسمع صوت حفيده خلف الباب ينسل من تحته إلى أن يبلغ أذنيه، وبعد عدة مرات من تكرار النداء، فينتبه الجد وهو يخفض رأسه ناظرا من فوق نظارته نحو الباب المغلق، ولكن يكفي لفتحه الضغط على المفتاح، ثم يسمح صوت فتح الباب لينكشف له هيئة حفيده في سن العاشرة، فيأتي إليه مهرولا إليه صادرا اسم جده مناديا إياه : جدي محمد جدي محمد، ويده متربة وبنطاله كذلك، يقترب منه كثيرا ببراءته الطفولية، فينتبه الجد أكثر ثم يغلق كتابه ويخلع نظارته ويضعها على الكتاب في رفق، ويمسك يده حيث المعصم موجها كف يده إلى الأعلى سائلا متعجبًا : "ما هذا " مشيرا بنظره إلى يد الطفل ويكمل السؤال " أين كنت وماذا كنت تفعل"، فيرد الطفل بهدوء واضطراب: كنت اتفحص الزرع يا جدي في الجنينة أمام المنزل، قد زرعته منذ عدة أيام، لكن يا جدي ما من شئ نبت، رغم أنني رويت الزرع جيدا مرتين، ما المشكلة إذن، أرى أن هناك شيئا يا جدي، لتأتِ معي وتنظر إن كنت قد أخطأت، يبتسم الجد ابتسامة خفيفة ويقول متعجبًا وقد تفهم الأمر: زرع!... وأين لك هذه الفكرة أيها الطفل الشقي، لقد ترك جدك هذا العمل منذ أن كان أبويه يعملان في الحقل وقد سفرنا إلى المدينة ولم نعد نهتم أبدا بأعمال الحقل، فماذا دهاك أن تفعل ذلك؟، ثم أكمل كلامه معلقا على بنطاله المترب ويده: وماذا عن ذلك الاتساخ، وماذا لو رأتك أمك، فإن ذلك ليثير غضبها عليك فتغضب أنت أيضا، قاطعه الطفل محاولا أن يفهمه شيئا، لا أظن أن أمي لن تضربني فقد اعطتني بذور التفاح وبذور الكمثرى وغيرها من البذور ولما سألتها ما شأن هذه البذور قالت : تنفع أن تُزرع مرة أخرى وتُخرج لنا شجرا يأتينا بثمره، وهي قالت لي لو أردت أن تزرع فافعل ذلك في الجنينة ثم رُش عليها ماءً، تمتم الجد وقد تفهّم الأمر كله وعلم من أين جاءت له هذه الفكرة.


أخذ الجد حفيده عمر إلى الجنينة حيث خارج البيت وقد فُرشت الجنينة كاملةً بتلك العشب الأخضر الطبيعي إلا مساحة صغيرة لونها لون التربة السوداء، ومشيا إلى أن وصلا إلى حيث وُضِع أكثر من دلو وقد ملأهم عمر بحصا صغيرة من الزلط تكاد تشبه التراب في نعومته، ويتخللها حبات من الحصى الكبيرة نسبيا مقارنة بتلك الصغيرة.


نظر الجد إليها، وأخذ يحفر حتى بانت البذرة وقد ذبلت وماتت ولن تنبت أبدا، فابتسم حتى سمع عمر يقول وقد غضب لما حدث وقال : لماذا فعلت ذلك يا جدي، لقد أفسدتها، أيعجبك هذا؟، فرد عليه ومازال يبتسم وقال: دعني أشرح لك، تعلمُ؟ إن هذه البذرة - تلك التي يقف عندها - والبذور جميعا، تحدثك وأنت لا تسمع ليس لأنك أصم ولكن لأنها عاجزة عن إسماعك صوتها، فرد عمر وقد نفذ صبره، وماذا تقول إذن يا جدي لقد منحتها ما تريد وتستحق من ماء، وضعتها في الشمس كما قالت لي أمي أليس كل هذا ما تريد، أهناك شئ آخر؟، تنهد جده وقال بصوت خفيف بلى يا بني، هناك شئ آخر وهو ما تريد البذور أن تقوله لك ولكنها لا تستطيع، يرد عمر :وما هو الذي تريده البذور؟، رد الجد مجرد أن سمع السؤال: البذور تريد بيئة أخرى مناسبة فتلك البيئة التي وضعتها فيها غير مناسبة لها، فالنبات يحتاج إلى تربة سمراء لأن النبات في حاجة إلى أشياء كثيرة لن يحصل عليها إلا من تلك التربة وهي البيئة التي أقصدها... أتفهمني؟، يرد عمر نعم يا جدي أفهم، لكن لم أفهم ماذا تحتاجه تلك البذور لتصير نباتا ومن ثم يكبر إلى أن يكون شجرة مثمرة؟، رد الجد: النبات يريد تلك التربة لأنها تحتوي على الغذاء التي تحتاجه البذور كي تنبت مثل النيتروجين الموجود فيها، فذلك يُعد غذاء وغيره من المواد الموجودة في التربة، ثم أضاف وقال : أظن أنك قد فهمت كل شئ أقصده، أليس كذلك يا عمر؟. رد عمر :بلى يا جدي فهمت كل شئ، ثم سأل : إذن علىَّ أن أبدِّل التربة السوداء بذلك الحصى الصغير، نعم يا عمر بالضبط عليك ذلك ثم ضع بذورا أخرى وسوف تنبت بعد عدة أيام من زراعتها.


مرّ ما يقرب من أسبوع، وفي نفس الميعاد من اليوم الذي قد أتى فيه الطفل إلى جده، حيث اعتاد الجد على أن يقرأ في ذلك الوقت من كل يوم وقد بلغ من العمر أكتر من ستين عامًا بسبع سنوات، وقد اعتاد على نفس الجِلسة على نفس الكرسي، فبينما هو غارق في القراءة، يسمع صوت الطفل وفي شئ من الفرح، جدي، قد نبتت البذور كلها ولكنها صغيرة جدا الآن شكرا لك يا جدي، قالها ومازال الفرح يبين من صوته اللطيف، ثم رد الجد بدوره: نعم يا عمر إذن فقد وضعت البذور في بيئتها المناسبة، ثم انصرف الطفل في فرح بعد أن قال الحمدلله. 


أخد الجد بقلمه، وفتح دفترا بحنان وشرع يكتب، "هكذا الإنسان مثل النبات إذا كان في بيئة غير مناسبة لا يستطيع أن يكبر بشكل يعينه على أن يعطي ثماره، أكثر ذلك عند الآباء الذين يضعون أبناءهم في منصب أو بيئة هم لا يحبونها إطلاقا، وقد قالوا ذلك مرارا وتكرارا ولكن الآباء هم الذين لا يسمعون شيئا منهم، وغير واثقين في إرادتهم واختيارهم بالمرة فيضعونهم في بيئة غير مناسبة إطلاقا وتلك البيئة غير قادرة على إعطاءهم ما يجعلهم ينضجون، ولذلك يصيرون بذورا لا حياة فيها مع الوقت كلما مرّ وهم في تلك البيئة الغير راضيين عنها، نعم... فقد وهنوا وذهب صوتهم من كثرة ما قالوا ولم يسمع لهم أحد، وتخلوا عن ذاتهم وهو المبنى الخارجي لأحلامهم". 


"والأمر عكسه إذا كانوا في بيئتهم المناسبة، التي تعطيهم ما يجعلهم فرحين مقبلين على الحياة وإن خالفتهم الحياة في حساباتهم، فهم بذلك يصيرون أصلب وأقوى بسبب تلك المعارك، ولم توجد لوقفهم ولكن لتجعلهم أحق بذلك المكان وبتحقيق ذلك الحلم، فالأبناء الأبناء؛ فإنهم البذور لأشجار مثمرة في المستقبل القريب واجعلوا أنتم - الآباء - أنفسكم مرشدين لهم  إلى الطريق الصحيح بمخاطبة عقلهم وإقناعهم، لا إجبارهم، وتحطيم إرادتهم في حلمهم".

ثم أغلق دفتره، ووضعه حيث حمله، ثم تذكر عمر وقال له في غيابه : جزاك الله خير مستقبل يا عمر.


أحمد الشحات حسيني

البريد المخصص للتواصل مع إدارة الموقع: contact@adabpress.com