. أحمد الشحات يكتب.. ذكرى الثلاثين من سبتمبر
أدب بريس | منصة عربية للتدوين

أحمد الشحات يكتب.. ذكرى الثلاثين من سبتمبر


أحمد الشحات حسيني 


منذ بضعة أعوام وأنا أحتفل بميلادي، ومن طقوس بيتنا أن لا شئ يُسمى عيد ميلاد، ولا أقصد بذلك الذي لا نسميه الاحتفال، بل لم يكن لدى بيتنا يوم لأحدنا يُسمى عيده الميلادي، لا نحمل في ذاكرتنا تواريخ أعياد ميلادنا، ربما السبب في ذلك أشغال بيت الريف المتهالكة فيها، فنستثني من ثقافتنا هذه الثقافة ألا وهي الاحتفال بأعياد الميلاد.


لقد وهب الله أمي طفلا جميل الصورة، ممتلئ الوجه، لا يكف عن البكاء ذي الصوت العالي المزعج في يوم لا أدري له معالما، وكيف أدرى؟، ولربما أمي هى الأخرى لا تدري إذا سألتُها، ولما نذكر هذا اليوم الآن متأكدين منه، فنحن نذكر التاريخ الذي أعرفه كيوم كذا في الشهر وليس يوم كذا من أيام الأسبوع لغيري من أهلي وأصحابي، وهو في الثلاثين من سبتمبر لعام ألفين وواحد، وفي ذلك اليوم تحديدا كان العالم في حراك مستمر، وحروب قائمة بين دولة وأخرى، والألاف يموتون في حلبة الحرب، وآخرون يولدون في دول أخرى من أرحام أمهاتهم على سمع أخبار الحرب في البلد الشقيق ويسمعون أصوات الأطفال وصياحهم ارتياعا من الدمار الذي لحق بهم.


وفي نفس يوم ولادتي، كان هناك أم تبكي وتتذكر ذلك اليوم حيث ذهب ابنها ووالده كي يوصله إلى حيث يتعلم، مرورا بشوارع مليئة بالقنابل، والرصاص، والجنود الإسرائيليين، والجنود المقاومة الفلسطينية، فيبكي الإبن خائفا مرعوبا من هول المشهد، وينادي الأب بأعلى صوت، مدنيون نحن، أوقفوا الضرب، أوقفوا الضرب، ولا حياة لمن تنادي، يراهم الجندي إسرائيلي - وكفى بنعته هذا وصفا رديئا له - ويصوب نحوهما النار مرة فلم يصب، ثم يستعيد النظر بدقة ويصوب مرة أخرى، ولم يكف حتى رأي صوت الطفل قد انكتم، والطفل نائم على رجل أبيه، وظل ينادي بوقف النار حتى لاحظ هدوء الطفل، وثِقل رأسه، فلم يعد - الطفل - فيه الروح حتى يعين رأسه قليلا عن رجل أبيه، وقد كانت تلك الذكرى هى الذكدى الأولى لاستشهاد طفلها. 


فاليوم أخجل من أم محمد الدرة، إن كنت قد علمت يوم وفاته، ولم أجهر بكلمة تبين أنه مازال مشهودا بيننا، تلك الحادثة التي هزت العالم لوحشتها، وفظاعة ارتكابها من قبل محتل غاصب نكرة، فقد كانوا يظهرون للعالم بأنهم في حاجة للعطف عليهم؛ لأن النازيين كانوا يقتلون أطفالهم دون أي مبرر، فلما صاروا الآن عراة أمام العالم حيث عُرفت وقع فعلتهم الشنيعة، وبانت جلودهم المتسخة بدم الأبرياء الأطفال والناس والشباب، فحاربوا من أعلم العالم بتلك الصيدة-في نظرهم الأعمى - حتى لا يتعرون ولكنهم رغم رفعهم لقضية ضد الصحفي هذا الذي ساعد على نشر الخبر ودفعه غرامة لأنه فضحهم - ولا تسألني كيف - ظهروا بمظهرهم المكار أمام كل العرب، والعالم أجمعين.


لم يكن الدرة وحده الذي مات على يد هؤلاء ولكن لعلَّه صار مثالا نذكره لألاف الجرائم التي أُرتكبَت في حق الأطفال في أنحاء فلسطين، غير الأمهات اللواتي يموتن هن وأطفالهن، أو هن دون أطفالهن، فيصيرون يتامى، وأطفال المحتَلين منعمون بوطنهم هناك، ووطننا هنا، ونحن أصحاب الأرض كأننا خلقنا بلا وطن.

البريد المخصص للتواصل مع إدارة الموقع: contact@adabpress.com