. شكرا يا تاريخ | أحمد الشحات حسيني
أدب بريس | منصة عربية للتدوين

شكرا يا تاريخ | أحمد الشحات حسيني



بقلم الكاتب أحمد الشحات حسيني

النظر إلى الوراء أمر ذو حدين إحداهما يدفعك إلى الأمام، والآخر يجذبك إلى الوراء أو يجعلك لا تتحرك أبدا، وتكون كما يقولون "محلك سر"، فالماضي - كما نردد - جزء منا مهما حاولنا أن نتبرأ منه بشتى الطرق، وكفى بالماضي وصفا أنه ماضي، وكفى به معلما وواعظا لمن لا يخجل أن يعود إليه بفكره فيحاول أن ينتقي منه خبراته، وأن يأخذ منه العبر، والعظات، أما بعد.

فالتاريخ عند الدولة هو الماضي عند الإنسان، يأخذ منه أحفاد أصحاب هذا التاريخ العبر والدروس التي تتكرر - ربما - نفسها، ولكن باختلاف الزمان، والمكان، وبلا شك اختلاف الناس، فلو ننظر حولنا الآن من أحداث تمر بها معظم الدول العربية إن لم يكن جميعها، نجد فيها تكرارا لأحداث أخرى قد مضى حدوثها، وعفى التراب ذكرها وآثارها، ونجد أيضا أن قول" التاريخ يعيد نفسه " صحيح، مع تلك التغيرات التي سبق أن تم ذكرها.

وإني لأجد صوتا في أعماقي يرد علىّ، حينما ذَكرتُ " لو ننظر حولنا الآن من أحداث تمر بها الدول... إلخ " قائلا : إن تلك الأحداث التي تقصدها لا يتعب المرء كي يلاحظها أو يفهمها، وهي تلك الأحداث المأساوية، العنيفة، التي تحدث كل يوم، وبدل أن يكون لدى أحد منا أمل في الغد فعندما يأتي يريد ليوم أمس أن يعود، ليس الكبار فقط من النساء أو الرجال، قد ترى ذلك كثيرا في عيون الأطفال والشباب أعينهم، لا عدل في أرضٍ هي وطنه، ولا حاكم يريد مصلحة شعبه، ولا مسؤولون مسؤولون، لا تغيير في حياة هؤلاء البشر إلا من السوء إلى الأسوأ، يزداد الفقر بينهم يوما عن يوم، حتى هبطوا عن خط الفقر، وصار الحلم أن يبلغوه، كان تمردهم على السوء من قبل دافعا، لا ليكونوا في حال حسن وليس أحسن إن صح التعبير، بل ليصبحوا اليوم في حال أسوأ، وذلك أوجد شبحا ينهش لحوم البشر، ويروّعهم، وجعل أما تبكي على حال أطفالها، ألا وهو الفقر الفقر المدقع.

أخاف يوما ما أن يكون حالنا حال تلك الطفلة التي رأت من أبيها كل أنواع البخل، في التربية الحسنة، والرحمة، واللطف بها، والبخل في المال فيما يتعلق بأبسط احتياجاتها، فترى في الغريب هروبا لها من ذلك كله، ثم بعد ذلك تكتشف أن ما كان توقعها صائبا أبدا، ونعيش كما تعيش الطفلة في يأس، وبؤس، وبلا بصيص أمل واحد يأتي إلينا من خلف سحاب السماء، وننظر إلى عنان السماء لا لحبنا للحياة ولكن لنتسائل لماذا هذا كله، وبدل أن نسأل متى هذا سينتهي، نسأل متى ستنتهي أعمارنا، ويرحمنا الله من بطش من سمعوا عن الإنسانية، وظنوا أن ما في قلوبهم لها مكانا، إن كانوا لا يعرفون عنها تعريفا مختصرا.

إن قوة الشعب الشعب العربي لا يهذمها طول ساعات الحرب أو قلة عدد جيشه عن جيش العدو، إن تلك القوة تفنى بمجرد أن يكون الفقر وليها في وطن، ووليها في كل ركن من أركان منزلها البسيط، وأن تصعب نفس الإنسان عليه أشد إلاما حين يرى من بيديهم الأمر ومن هم مسؤولون أمامهم عن كل ما هم فيه من عيش الضنك، وهم منعمون في قصورهم، يبنون فيها ويعمرون في أماكن استراحاتهم، ولا يهم عندهم ولا حياء لديهم أن يغرق عامة الناس في همهم بمعيشتهم، وحزنهم على حالهم الذي ملّ هو منهم لطول صبرهم.

 ولحاضرنا هذا شبه لا تكتمل فيه كل الجوانب ولكن هناك بعض الجوانب التي نجدها بين أيدينا الآن - بكل آسف - قد تشابهت، وانتابني شئ من الخوف لا أدري لماذا، عندما وجدت أن لذريقا - حاكم الأندلس وقت بداية الفتح الإسلامي لها - كان حاكما ظالما يعيش في نعيم ورخاء، ويبني قصورا، بينما ترك عامة الناس يعيشون في فقر وهم وغم، وما أن كان ذلك إلا دافعهم الأكبر ألا يقاوموا الفتح الإسلامي، وقد انتشر فيها بدايةً بموقعة وادي برباط الشهيرة، ورغم أن عدد الجيوش الإسلامية كان ضيئلا جدا أمام أعدادهم، وقد رأوا في الإسلام صدر الأم الدافئ الذي لن يظلمهم، ولا يُعيشهم في فقر مثلما كان حالهم يومئذ قبل مجئ الإسلام. 

أخاف من مكر الأعداء المتواري خلف ابتساماتهم المتكلفة في عيوننا، وإظهار تعاطفهم معنا حين نكون في حال أهل لذلك التعاطف، أن نحسب ذلك تعاطفا بلا نزع لهويتنا، وأن ذلك الفعل هو بالمثل ما يفعله الثعلب المكّار حين يريد أن يستدرج فريسته إلى مكان، وزمان لينقض عليها، ويستبيح جسدها ليأكله، ويستبيح الأرض فيحتلها دون أي مقاومة. 
البريد المخصص للتواصل مع إدارة الموقع: contact@adabpress.com