-->
"العسل الصافي" | نور الدين عمار

"العسل الصافي" | نور الدين عمار

بقلم الكاتب: نور الدين عمار  انزوى الدكتور عبد الرحمان في ركن من البهو الكبير هو وشلة من أصدقاء طفولته متحلقين حول مائدة وضعت عليها أطباق مكسرات وحلويات، وزبدية كبيرة من العسل الحر (عسل النحل الصافي) ... جرت العادة أن يتكلف أه…

"العسل الصافي" | نور الدين عمار

بقلم الكاتب: نور الدين عمار

 انزوى الدكتور عبد الرحمان في ركن من البهو الكبير هو وشلة من أصدقاء طفولته متحلقين حول مائدة وضعت عليها أطباق مكسرات وحلويات، وزبدية كبيرة من العسل الحر (عسل النحل الصافي) ... جرت العادة أن يتكلف أهل الميت بذبح الغنم وإقامة الوليمة بدل الوضيمة يقدم فيها الطعام على أنواعه إكراما لروح الفقيد. لقد كان المرحوم الحاج علي الذي توفي منذ يومين من أعيان القرية وقد وجب أن تقام له مأدبة تليق بروحه الطاهرة.. التفت الدكتور على يمينه أين يجلس موسى صديق طفولته، كان يجاوره على الطاولة الخشبية في الأقسام الابتدائية. لم ير أحدهما الآخر منذ ذلك الزمن إلا حين عودة عبد الرحمان قبل أيام قليلة إلى القرية، بعد أن أفنى سنوات عديدة من عمره في الغربة والبعد.. سنوات طوال كرسها عبد الرحمان للدراسة والتحصيل والتكوين فهو الآن حاصل على الدكتوراه في الطب البشري أخصائي أمراض السكري والغدد الصم ودكتوراه في علم المناعة وهو أستاذ محاضر في علم النفس الطبي.. كان لا زال يحدق في وجه صديقه حالما، عندما تذكر فجأة ما أخبره به بعد صلاة الجنازة.

كان زميله قد أفشى له أنه مريض بالسكري في مراحله المتقدمة ولم يعد يتحكم في نسبة السكر في دمه.. انحنى الطبيب إليه وهمس في أذنه أن يتجنب تناول العسل قطعا، وهم ليشرح له الأسباب الطبية عندما قاطعه صوت الفقيه الذي تعالى بالتعوذ والبسملة تلتها تلاوة جماعية لآيات من سورة النحل أبدع في "إنشادها" إمام المسجد الكبير وثلة من زملائه فقهاء المساجد المتناثرة في ربوع القرية الصغيرة. عم الصمت وخرست قهقهات الحاضرين وكف لغوهم، سيطر جو من الرهبة والخشوع.. انطلق بعده هدير الحناجر بالحمدلة والشكر وطلب الرحمة للوالدين عند ختم القراءة. عادت القهقهات لترتفع لولا أن قاطعها مرة أخرى صوت الفقيه الرئيس آمرا أصحابها بالإنصات. أذعن اللاغون في الحين. هذه المرة انبرى الفقيه يسرد تفاسير الطبري وابن كثير وآخرون للآيات التي ذكر فيها العسل، ومرح يعدد فوائد الشراب الذي يخرج من بطون النحل ناهلا من معين كتب الطب النبوي وكتب السلف والخلف وما جادت به قريحة العشابين والمشعوذين والدجالين. ثم ختم مداخلته بحديث نبوي من صحيح البخاري ومسلم جاء فيه أن رجلا جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: إن أخي استطلق بطنه. فقال: " اسقه عسلا ". فسقاه عسلا ثم جاء فقال: يا رسول الله، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا، قال: " اذهب فاسقه عسلا ". فذهب فسقاه، ثم جاء فقال: يا رسول الله، ما زاده إلا استطلاقا، فقال رسول الله: " صدق الله، وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلا ". فذهب فسقاه فبرئ.

ما كاد الإمام يختم محاضرته حتى تدنى موسى من زبدية العسل وأغرق فيها أصابعه الممسكة بكسرة خبز ثم التهمها التهاما كاد يبتلع معها أنامله. أعاد الكرة مثنى وثلاث ورباع.. رمقه الطبيب بنظرة امتزج فيها الحزن والعتاب بالعطف والشفقة.. لكنه لم يثنه عن لعق ما تشبث من عسل بباطن الزبدية وجدرانها.

 في طريق العودة إلى البيت، ظل عبد الرحمان مطأطأ رأسه ولم ينبس ببنت شفة. ودع جاره موسى على عتبة الباب بحركة متثاقلة من يده اليمنى. دخل غرفته دون أن يلقي التحية على زوجته. خر على سريره كمن أخذته الصيحة. ظل جاثما تتقاذفه أفكاره الهوجاء المتلاطمة. عاب على نفسه عدم تدخله وعدم الإدلاء بدلوه في ما قاله الفقيه. لماذا ظل صامتا مثل تلميذ نجيب يتابع ويستمع لمعلمه في الفصل؟ ولكن... من يكون هو؟ من يكون ليناطح جهابذة التفسير كالطبري والقرطبي وابن كثير؟ ومن يكون ليكذب الصحيحين ويرتاب في تفسير الجلالين؟ فهو ليس عالما... ليس عالما من علماء الكتاب والسنة الذين نزلت فيهم الآية: (إنما يخشى الله من عباده العلماء). أخمدت هذه الفكرة لهيب النار الموقدة في جوفه فخلد إليها واستغرق في نوم عميق.
       
 قفز من سريره هلعا. تعالت إلى مسامعه صرخات ونحيب. هرول خارج غرفته فلمح زوجته تلف لحافا حول خصرها وتهم بالخروج. 
سألها ماذا وقع؟
أجابته وعيناها تسيلان بأربعة آماق: إنه عويل حليمة ونواح بناتها.. رحم الله زوجها سي موسى.

بقلم الكاتب: نور الدين عمار  انزوى الدكتور عبد الرحمان في ركن من البهو الكبير هو وشلة من أصدقاء طفولته متحلقين حول مائدة وضعت عليها أطباق مكسرات وحلويات، وزبدية كبيرة من العسل الحر (عسل النحل الصافي) ... جرت العادة أن يتكلف أه…