. تطور المعرفة التاريخية | اسماعيل سطوري
أدب بريس | منصة عربية للتدوين

تطور المعرفة التاريخية | اسماعيل سطوري

 تطور المعرفة التاريخية |  اسماعيل سطوري



 تطور المعرفة التاريخية

يعتبر التاريخ علما قائما بذاته شأنه شأن باقي العلوم الإنسانية، ونظرا لأهميته في استقرار الدول وتغيرها، خضع لمجموعة من الدراسات النظرية والعلمية، أمام هذا الوضع وارتباطا بالأحداث التي عاشتها المجتمعات الغربية منذ القرن 15 م؛ بفعل الاكتشافات العلمية والانفتاح على العالم، شهدت الساحة الفكرية التاريخية تطورا منهجيا مفعما بروح النقد وعلمنة العقل والتاريخ.

سيعالج هذا المقال المعرفة التاريخية، والتطور الذي عرفته المعرفة الإنسانية، بمقارنتها بمجال العلوم التجريبية، والتحول الذي عرفه علم الفيزياء، من نظرية نيوتن التي تقول بالحتمية، إلى النقلة التي جاء بها آينشتاين حيث غيّر كل المعادلات الرياضية والفيزيائية بالنسبية الخاصة والعامة.

فالتاريخ كان عبارة عن سردا للأحداث وللأخبار وحكايات حول أقوام ودول ماضية، حتى جاء "ابن خلدون" 1332-1406م" فكان أول من غير هذا المفهوم، فأحدث بذلك طفرة ونقلة نوعية للمعرفة التاريخية، فميز بين ظاهر التاريخ، ويقتصر على سرد أخبار الدول، وأصول الماضي، لكن على مستوى الباطن هو معرفة علمية تتأسس على منهجية المؤرخ، وهو نظر وتحقيق وتعليل وعلم بالكيفيات والأسباب، لا مجرد رواية للأخبار، ثم جاء من بعده "هنري مارو" بنفس المفهوم، فهذا التطور الذي عرفه مفهوم التاريخ والعلوم الانسانية عموما، إلا أن "ادوارد هاليت كار" يميز بين التقدم والتطور، حيث يرى أن التطور ذو حمولة بيولوجية، يشير إلى النشوء والارتقاء، وبالتالي لا يمكن قياس قوانين التاريخ على قوانين الطبيعة، في حين يرتبط مفهوم التقدم بالمجال الاجتماعي، غير أن مفهوم التقدم نسبي فالتاريخ لا يتجه دائما بخط متواصل، بدون توقف أو انعطاف بل يتسم بالانقطاع وعدم الاستمرارية.

فالمدرسة الوضعانية أو ما يطلق عليها الوثائقية، تعتبر "المقاربة الخطية" أي أن التقدم يسير في اتجاه مستقيم، يعتبر "أوجست كونت، من مؤسسها" صاحب قانون «الحالات الثلاث» يرى أن الفكر الإنساني يمر عبر ثلاث مراحل (الحالة اللاهوتية، الحالة الميتافيزيقية، والحالة الوضعية والعلمية)، فالفكر الإنساني تاريخيا هو بمثابة سلسلة متصلة الحلقات. هناك أيضا مورغان (انترولوجي معاصر) يرى بدوره أن تقدم المجتمعات البشرية خطي: مرحلة التوحش –مرحلة البربرية ومرحلة التحضر، وهو تقدم لا يعرف الانحراف ولا الانعطاف ولا القفز وإنما هو تقدم تتحكم فيه الضرورة التاريخية كحتمية مطلقة.

في المقابل يختلف المفكرون المدرسة التاريخانية أو ما يطلق عليها "فلسفة التاريخ" حول طبيعة مسار التقدم التاريخي (منطق التاريخ)، فأصحاب نظرية التطور الدائري "ابن خلدون- أرلوند تونبي…" يعتقدون أن التقدم يتم على شكل خط دائري أي أن التاريخ يعيد نفسه ويتميز بتكرار نفسه. أما "كارل ماركس- هيغل..."، يحددان التقدم على شكل لولبي أو حلزوني، يتجه دائما إلى الأمام بشكل تصاعدي، أي أن التاريخ البشري محكوم بتقدم هو في حقيقته جدلية "صراع بين الشيء ونقيضه" تفهم باعتبارها مراحل تقود إلى بعضها البعض عبر النفي، ويفترض التحليل الماركسي وجود هذه الضرورة في الأساس المادي للمجتمع، (مرحلة المشاعية البدئية- العبودية- الإقطاعية- الرأسمالية- الاشتراكية). غير أن هذه المقاربات الخطية ستنتهي إلى تصور إطلاقي مغلق لضرورة تجعل التاريخ يسير نحو اتجاه محدد وغائي، وفي هذا الصدد وجه "كلود ليفي ستروس، من مؤسسي البنيوية"، نقدا حادا لفكرة التقدم بالمعنى السابق، فالتقدم التاريخي في نظره يمكن أن يعرف قفزات أو وثبات، مما يجعله يعرف تحولات فجائية، كما يمكن أن يعرف انعطافا أو تراجعا أو استقرارا.

إذن يمكن لهذا التقدم أن يسير في جميع الاتجاهات الممكنة، مما يعني أنه ليس هناك حتمية أو ضرورة تتحكم في سيره (التقدم) فالمجتمعات ليست مطالبة باتباع نفس المسار التطوري الخطي بدعوى ضرورة التقدم، لأن في احترام الاختلاف الثقافي تنسيب لفكرة التقدم (أي نسبية التقدم التاريخي). لكن مما أُخذ على التاريخانية أنهم أرخوا للحدث في جزئيته، ورفضوا التعميم في دراساتهم للظواهر، كما أنهم رفضوا وجود أية حقيقة موضوعية، والسقوط في النسبية في الحكم على الأحداث التاريخية.

أما مدرسة الحوليات، أو ما يصطلح عليها مدرسة التاريخ الجديد، الذي يعتبر " لوسيان فيفر- مارك بلوخ، من روادها" هي التي غيرت من المفهوم التقليدي لعلم التاريخ، ولكافة مجالات العلوم الإنسانية، وذلك بحثها بانفتاح بعضها على بعض، وتكسير عقلية الجمود والتخصص الضيق الذي كان سائدا في المدرسة الوضعية، التي كانت تتبع منهج السببية في التاريخ، وذلك من خلال إعادة بناء الحقيقة، والقيام بتحقيق الوقائع والأحداث من ناحية، وباعتمادها على الوثيقة المكتوبة الرسمية من ناحية ثانية. لذلك فلقد تعرضت هذه المدرسة الوضعية للانتقاد منذ أوائل القرن العشرين من طرف أنصار مجلة التركيب ورواد مدرسة الحوليات. ولهذا دعوا إلى الخروج من الدواوين الوزارية ومجالس البرلمانية، من أجل ملاحظة مباشرة للفرق الاجتماعية وللبنيات الاقتصادية، لدراسة المجتمع في عمقه الأكبر.

عموما إن مؤرخي مدرسة الحوليات أحدثوا قطيعة ابستيمولوجية مع الاتجاه السابق، الاتجاه الوضعاني، في الكتابة التاريخية، فقد عملوا على تجاوز التاريخ الحدثي ودعوا إلى تاريخ إشكالي يقر بأهمية العوامل التركيبية في دراسة التاريخ، كما أخذت الكتابة التاريخية مع مدرسة الحوليات أبعادا جديدة، سوسيولوجيا؛ لسانية واقتصادية، هذا بالإضافة لانفتاح التاريخ على العلوم المساعدة مع مدرسة الحوليات مما مكن التاريخ من الية البحث في الموضوع التاريخي ودراسته من كل الجوانب.

إذ إن المعرفة التاريخية المعاصرة والجديدة قد أضحت نتاج تفاعل بنيوي بين القضايا التاريخية والمسائل الاجتماعية والسياسية، والمؤرخ الملتزم هو من يبحث عن جعل المعرفة التاريخية نابعة من المجتمع ونحو المجتمع؛ بالإضافة إلى ذلك، لم يعد التاريخ، كمعرفة علمية بالماضي الإنساني، مجرد معرفة أكاديمية حول المجتمع والثقافة، بل أصبح اليوم يفرض على المؤرخ ضرورة ربط العلمي بالاجتماعي والنقدي بالسياسي، وبالتالي الدمج بين القضية التاريخية والمسائل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

بقلم الكاتب: إسماعيل سطوري

البريد المخصص للتواصل مع إدارة الموقع: contact@adabpress.com