. عن الانسان في هذا الزمن | أحمد الشحات
أدب بريس | منصة عربية للتدوين

عن الانسان في هذا الزمن | أحمد الشحات


بقلم الكاتب والمدوّن: أحمد الشحات

ماذا حين يخطئ الإنسان؟، والخطأ الذي ارتكبه شنيع إلى حد الصدمة، وما الذي دفعه إلى ذلك؟، كثير من الاضطرابات النفسية، والأزمات العويصة التي ألقت به في مرمى الخطأ، بنفسه الهائمة، وبروحه الهزيلة، وبجسده الواهن، حاول أن يقاوم لكن من أين له المقاومة بهذا الحال، المثير للشفقة. 

لكن كيف نحكم على الخطأ؟، بل كيف نحكم على الإنسان المُخطئ، إذا كان نتاج كل ذلك تلك العثرات، والوعكات النفسية، ولكني أرى أن الخطأ يظل خطأ، حتى لو كان نتيجة ذلك شيئا خارج قدرة الإنسان، فعله فقط لأنه تعرض لكثير من الأذى النفسي والجسدي من قِبلَ الآخرين، بحد العنف، والإهانة، كأننا صرنا في زمن لا يقرر وجود الإنسان، وأصبحنا نتعامل معه كأنه شيئ، وليس حقوق الإنسان إلا عناوينا تُوضع على أغلفة الكتب ليقرأها أحدهم، ويبقى ما يدفعنا إليه هذا الكتاب حروفا، في كتاب من ورق، ولم نر - ولو مرة -لطفا في التعامل مع الإنسان، إذا ارتكب خطأ، لم نصل إلى نقطة البداية والدافع الأول الذي جعله يفعل ذلك، فقط إذا خطئ نلقى عليه العقاب المشدد، دون أن نعرف سبب ما فعله، ولكني أرى في ذلك أنهم لديهم حق - أي حق!! - فلم يُكتب في نص القانون إلا العقاب على الجاني، وأنهم حين يحكمون عليه يمشون على نصوصه فلا يخالفونه - أقصد - في حيز العقاب عليه، فيدخل سجنين، الأول هو ذلك الذي يتكون من أربعة جدران، لا تكاد الشمس تدخل فيه، والظلام مخيم كله، في كل ركن، وكل شبر، وهو ذلك الذي قائم عليه سجّان يعامل كل من فيه، بكل قسوة، وعنف، وشدة، ومهانة، وبصوت مرتفع، يتكلم بكل عنجيهة، كأنه يتكلم إلى كلب يلهث، كأن من يدخل السجن ترك تذكرة كونه إنسان على بوابة السجن الرئيسية، وبدّلها بأخرى كونه حيوان أخرس، أو شئ جامد يُركَل بالأرجل المغطاة بأحذية حدباء، يُستباح فيه الذل، والتعذيب.

ثم سجنه الثاني وهو نفسه، فمِن سجنه الأول كان سجنه الثاني الذي أذاه في نفسه اضطرابا، وخوفا من طريقة المعاملة، وصُدِم، فأصبح كارها للحياة، ولنفسه السيئة وفعلها المجرم الذي كان السبب في إتيانها إلى هنا، وماذا بعد؟ وأنه حين يخرج يزيد فوق الخطأ خطأ، كأنه عزّ عليه ألا يُكمل طريقه فيه، ألم يتعظ مما حدث له؟، أما كان له في سجنه زاجر له من مواصلة السير السوء هذا؟، ما فعله من خطأ، فهو خطأ له العقاب عليه - لا جدال - لكن هذا العقاب يجب أن يكون علي ما ارتكبه من قبل، وأن يكون في الوقت ذاته المانع أنْ يرتكب غيره، لكنهم أو لكننا - ولا فرق بينهما- لا يفعلون إلا العقاب الأول، كأنهم يقولون له افعل ما تشاء فسوف نعاقبك، ثم بعد ذلك نطلق صراحك، ثم ترتكب خطأ مثله أو غيره - وقد يكون له عذر في ذلك - ثم نأتي بك نعاقبك وهلمَ جرا، ولا يوجد نهاية لذلك.

هم - بكل فخر ظنا أنهم يفعلون الشئ الصحيح - يقابلون الخطأ بخطأ مثله، يأتون بأحدهم، فيرينَه كل أنواع العذاب، ويعطونه كل الداوفع لأنْ يكره الحياة، كأنهم - بوعي أو دون وعي - يجعلونه كما أعطوه تذكرة الحيوان على بوابة السجن الرئيسية حيوانا، ويضربونه كما يُضرب الحيوان فلا عذر له، ولا زاجر لهم من الله أنْ كرم الإنسان، ويُذل دون وجه حق من إنسان مثله بسبب شيئا لا مالك له إلا الله.

قد كرّم الله الانسان، فخلقه في أحسن تقويم، وجعله خليفة في الأرض له، ثم يفعل ما لا يليق بخلافته فيها، ولا بذلك التقويم الذي حباه الله به، فإذا كان قادرا، يظلم، ويظلم حتى الموت، ويشوه صورة غيره، ويعامل البشر - مثله - كأنهم ليس من نفس فصيلة الطين إياه. 
البريد المخصص للتواصل مع إدارة الموقع: contact@adabpress.com