. هكذا علمتني الجائحة | أيوب صدقي
أدب بريس | منصة عربية للتدوين

هكذا علمتني الجائحة | أيوب صدقي


بقلم الكاتب والمدوّن: أيوب صدقي

نحمد الله ونستعين به ونتوكل عليه ونؤول إليه ونشكره تعالى قائلين اللهم لا علم  لنا  إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } ، يا قُراء المقال أحييكم بأفضل تحية ، تحية ملؤها سلام ورحمات وبركات ،تحية الرسل وتحية المؤمنين في الدنيا والآخرة، وكما قال عز وجل وتحيتُهم فيها سلامُ فسلام من الله عليكم ورحمته وبركاته.

 أمّا بعد: فإن في مخلوقات الله عز وجل تقلُبات و تغيُرات في الأحداث و الأحوال؛ وعبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين وذكرى للمتذكرين و تبصرة للمستبصرين، جائحة كُورُونا } أصبحت ولا زالت على الأقل حتى لحظة كتابتي لهذه السطور حديث الناس والمجالس والقنوات ومواقع التواصل الاجتماعي ، بين مُقلٍ ومستكثر وناقل ومحلل.

 ولكن السؤال المهم الذي يجب على كل منا طرحه على نفسه في مثل هذا الحدث الخطير والطارئ والمفاجئ، هل يعقل أن نكتفي بمتابعة الأخبار والرصد والتحليل والبحث عن الأسباب ومراقبة الأرقام وكيفية الوقاية المادية الحسية لهذا المرض فحسب ؟! أم علينا كالمؤمنين أن ننظر للحدث من حيزا و زاويا أدق وأعمق لأخذ العبرة والموعظة والحكمة فالاعتبار سنة مهجورة والاتعاظ عبادة عظيمة فقد قال الله عزّ وجلّ في محكم كتابه العزيز بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ}  النور:44.

قبل التطرق إلى الاعتبار والاتعاظ من هذه الجائحة نطرح تساؤلا لماذا كل هذا الهلع  اتجاه هذا الفيروس؟؟
لإجابتي على تساؤل من هذا نوع وجيب علينا معرفة العدو-الفيروس- الذي نتعامل معه – ومنها تصحيح لبعض المفاهيم العلمية - وبعدها نفرض الفرضيات والسيناريوهات المحتملة لمن أصيب بهذا الفيروس وفي الأخير نحكم عليه هل حق يستحق كل هذا الهلع؟
{ كورونا أو كوفيد-19} كما يُطلق عليه أصحابُ الاختصاص يعد الآن من الأكثر المصطلحات العلمية في  القرن الواحد والعشرون شيوعاً وتداولاً وانتشاراً بين الناس ذلك الفيروس الصغير –المايكرو- الذي استطاع   إحداث تغيير عجيبا في حياة الناس, من إغلاق للمدارس والجامعات والمطارات والعديد من التجمعات و توقيف جميع حركة السير والمواصلات العامة كانت أو الخاصة، وأغلق الحدود وبعض المدن بالكامل، وبحسب أحدث الأخبار وآخر المستجدات بشأن تفشي جائحة  فإن الأزمة لازالت في بدايتها والتكهنات والأرقام  والأعداد والإحصائيات هي سيدة الموقف حاليا.

بحسب علماء الاختصاص فإن كورونا ليس فيروساً، بل هو طيف كبير من الفيروسات يسمى التاجيات، أو ذات الشكل التاجي ومن هنا جاءت تسميته كورونا, وغالباً الزكام الذي تعرضت له في العام الماضي أو ما قبله، هو كورونا إلى هنا الأمور واضح. المشكلة فقط مع- الكوفيد 19- والذي يمكن اعتباره النسخة الأحدث والأكثر تطوّراً من فيروسات الكورونا. والآن لنفرض أن أحدٌ ما قد أصيب بهذا الفيروس، ما هي الاحتمالات أو السيناريوهات المحتملة؟

السيناريو الأول والأكثر حدوثاً ألا يحدث شيء أساساً. فكوفيد-19 يدخل في جسمك ويخرج فجأة دون سابق إنذار لأنك ببساطة شاب ولجسمك مناعة جيدة، فيتم تصدي له بشكل روتيني عادي.
أما السيناريو الثاني وهو أن يصيبك كوفيد وتظهر عليك أعراض لكنك تتعافى بعد موجة دفاع  لجهازك المناعي مع المرض, فهو كالاحتمال الأول لكن إن كانت مناعتك ليست بالمستوى الجيد فلا بأس من المجابهة قليلا داخل جسمك.
أما الثالث وللأسف هي الحالة الوحيدة التي يُسلط عليها الضوء إعلامياً، وهي الانتكاس الذي ينتهي بالموت بسبب نقص المناعة. وهنا يجب أن نذكر أن هذا سيحدث بكوفيد_19 أو حتى أي مرض فيروسي آخر. الأشخاص بدون مناعة سيموتون من أقل الهجمات المرضية، فالأمر ليس حكراً على كوفيد_19, إلى هنا الأمور عادية جدا الآن نأتي للسبب الذي جعل هذا الفيروس يسبب الهلع في الأوساط المجتمعات ميزاته أنه سريع الانتشار ذو تواتر عالٍ جداً، هذا هو السبب الرئيس في كل هذه الضجة. تأثيره عادي أو شبيه بما يسبقه من ميكروبات أو الفيروسات، إلا أن سرعة انتشاره وسهولة نقله إضافةً لعمله بشكل صامت، هي ما تجعله خطراً وفقاً لمنظمة الصحة العالمية التي صنّفته كوباء, ولو أردنا وضع بعض الأرقام  للأمراض المعدية والمزمنة أو الأوبئة لمقارنتها مع وباء جائحة كُورُونا } يتبين لنا أن أرقام كوفيد-19 مازالت في بدايتها أو هي ضعيف بكثير مقارنة بي غيرها، لكن ......كما كنت أقول، المشكلة مع الكوفيد-19 أنه سريع الانتشار ما يسبب الموت بسبب عدم كفاية أنظمة الرعاية الصحية من جهة وتكدس الأعداد أحيانا من جهة أخرى، وليس بسبب القوة المرضية للفيروس نفسه.

والآن نعود إلى صلب موضوعنا ونحول صيغته للسؤال جوهري ،لنقول  مادا علمتنا هده الجائحة ؟.
 لعلى أبرز ما تعلمنه منها  إحدى أكثر العبارات التي رددناها صغارا وكبارا وهي عبارة الناسُ متساوُون كأًسنان المُشط}  أي أن لا فرق بين أوربي وإفريقي وأسيوي وأمريكي أو بين دولة وأخرى فالجزائر اليوم والصين وفرنسا  وإيطاليا وإيران وأمريكا وكندا، وجميع الدول المتقدمة كانت أو النامية ،فقد أضحى الجميع سواسية أمام هذا الوباء الذي استطاع توزيع فيروساته بعدالة كبيرة على سكان المعمور، إضافة إلى ذلك، فإنه لا يوجد أي شخص في العالم فقيرا كان أم غنيا في منأى عن هذه الجائحة.
ما تعلمنه أيضا قد جاء في قوله تعالى:{ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا } النساء: 28 هذه الآية من أعظم الأدلة على أن الشريعة الإسلامية هي الشريعة المناسبة للتكوين النفسي والعقلي والجسدي للإنسان ، ويمكن اعتبارها من أهم القواعد التي تقوم عليها الطبيعة البشرية المجبولة على الضعف والوهن مهما علت النفوس وتكبَّرت ، فهي في حقيقتها ضعيفة لا تقوى إلا على ما يناسبها و يشاكلها، و رأينا تجلى هذه الآية في طبيعة هذا الفيروس فقد بين مدى ضعف الإنسان أمامه، فأضحى لا يهاجم الفقراء والضعفاء والمهمشين فقط، بل هاجم و أصاب ويصيب حتى اللحظة رؤساء وملوك وأمراء دول، ومشاهير فما الفائدة من التعالي والتفاخر فكلنا مجموعة من الخلايا قادر على هزيمتها شيء لا نراه بالعين المجردة ،إلى درجة أن البعض بات يسميه بالعدو الحقيقي-غير مرئية-، عدو لا يؤمن بالتكتيك، بل بإستراتيجية واحدة هي القضاء على الجنس البشري وإبادته.
وفي خضم هده الجائحة تعلمنا حقيقة هده الدنيا التي حكاها من لا ينطق عن الهوى ، إدا قال عزّ وجلّ في محكم كتابه العزيز بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} الحديد:20، ويقول ابن الجوزي: { الدُّنْيَا غرارة غدارة خداعة مكارة تظن مُقِيمَة وَهِي سيارة وَمُصَالَحَة وَقد شنت الْغَارة } فلو تأملانا قليلا رأينا كيف استطاع  هذا الفيروس الصغير الضعيف الخفي أن يُنغص على أهل الدنيا نعيمهم ولذتهم وحياتهم وأمنهم واستقرارهم ومعيشتهم! فقد قيل أن من لم يتعظ بحقيقة الدنيا اختياراً، ألجأته مثل هده الأقدار والمصائب للاعتبار بها اضطراراً، فهي لا تبقي غنياً على غناه ولا صحيحاً على صحته ولا مُنعَّماً على نعيمه، فهي حقيرة دنيئة هينة فانية لا قيمة لها.

وكخلاصة، فإن هناك عبر ودروس كثيرة لقنتها وعلمتها { جائحة كُورُونا } لنا شخصيا ولكل بلدان العالم وللناس أجمع، ومما لاشك فيه حتما أن العالم  سيتغير بسبب هذه الجائحة وحين تنتهي-بإذن الله- ستظهر ثقافة ما بعد كورونا جلية فقد تعلمنا الكثير، فاليوم الناظر والمتأمل للمشهد العام، يرى المسلمين – كغيرهم- متأهبين ومستنفرين أفراداً وجماعات ودولاً ومؤسسات وعبر مواقع التواصل والقنوات، مع أشد أنواع الاحترازات والتحصينات لمواجهة ومحاربة هده الجائحة التي أقضت مضاجع الجميع، وهذا أمر طبيعي وفطري، بل الحفاظ على الأنفس والأرواح من مقاصد الشريعة وضرورياتها الكلية.

لكن بالمقابل إنك لتتعجب أشد العجب العجاب العجيب؛ لِما ترى من برود وجمود ولا مبالاة وعدم استنفارٍ من بعض المسلمين - الدين نسأل الله عز وجل أن يهديهم إلى طريق السوى- مع انتشار هذا الوباء، نجدهم منشغلون بالتندر والاستهزاء والسخرية والضحك والشماتة واللعب واللهو والتنقل بين المتاجر وتكديس الأغذية، غافلين متجاهلين الحكم الإلهية من المحن والبلايا التي يبتلي بها الله عباده.


ختاما أقول كالمسلمين الواجب منا في مثل هده المصائب أولا الثقة بالله تعالى وحسنُ التوكل عليه وتفويض الأمر إليه، فهدا من أعظم سبل لتجاوز المحن والتحديات، وثانيا اليقين بأن فرج الله آت لا ريب فيه وأن بعد الضيق سعة، فكلما قوي اليقين كان ذلك أدعى للصبر وثالثا عدم فقدان الأمل والتفاؤل وتجنب الجزع واليأس والتشاؤم، ومجاهدة النفس بتوطيد العزيمة على الثقة واليقين  بالله ، ونذكر هنا عبرة يحفظها ويرددها أهل اليقين  ومن له الثقة الكاملة بالله عز وجل، أن بقاء الحال من المُحال ولا يغلب عسرٌ يُسرين، إدا قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز :{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } الشرح:5-6، ولتعلم أيها القارئ  أن أهل اليقين لا يعرفون اليأس، وأحسن الناس صبراً عند المصائب أكثرهم يقيناً، وأكثر الناس جزعاً وسخطاً في المصائب أقلّهم يقيناً، فقلب المؤمن الواثق الموقن كالصرح الشامخ لا تهزه عواصف المحن، بل تزيده رسوخاً وشموخاً.
البريد المخصص للتواصل مع إدارة الموقع: contact@adabpress.com