. نحن في الريف وهم في المدن | أحمد الشحات
أدب بريس | منصة عربية للتدوين

نحن في الريف وهم في المدن | أحمد الشحات

نحن في الريف وهم في المدن | أحمد الشحات


بقلم الكاتب والمدوّن أحمد الشحات

"إحنا في أرياف!! "، لا تنطقها بهدوءٍ كأنك تقرأ باقي الكلمات، لكي تتخيل ذلك الرجل الذي قالها، وهو يوبِّخ أخاه حين رآه يعتاد فعلاً غير تلك الأفعال المعتادة في الريف، وصوته عالي، رافعًا حاجبيه متعجبًا، نتيجة لرد أخيه، متحَجِجًا " بيعملوا كدا في المدينة"، ثم يحذّره بنفس حِدة الصوت الذي قال به تلك الجملة، "متعملهاش تاني؟!".

في دولةِ واحدةٍ، تختلفُ تقاليدُها، وعاداتُها، بل ومعاني بعض الكلماتِ، في إقليمٍ عن غيره، بل بلدةٍ غير بلدة أخرى، وقرية عن قرية أخرى، وهناك ما في الأرياف من أفعالٍ، غير مباح فعلها، ومباحة في المدن، وأكثرُ هذه الأفعال هي تلك التي تخدش جانبًا من الحياءِ، على سبيل المثال، الملابس وغيرها، وكأنَّها لا تخدشه في المدن كما تفعلُ في الريفِ، فلا نقول هذا خطأ أو صحيح، بل نقول نحن في الريف، وهم في المدن، حتى في ألوان الملابس، يختلفُ قبولُه عن رفضِه، في المدن والريف على الترتيب، فيقولون اللون الأحمر مقبول في الأولى، والعكس في الثانية، وبخاصة إذا ارتدوه الرجالُ، وغير ذلك كثيرًا، فاختلافُ الثقافاتِ بين المَصْر الجامع، وبلد الفلاحين، يؤدي إلى اختلاف في كثير من السلوك، والتعايش بينهم، ويقول أحدُهم، ربما مدحًا في ثقافة أهل المُدنِ، أو ذمًا في ثقافة أهل الريفِ، إنَّهم يملكون عقولاً متفتحةً، ويطْلِقون عليها باللغة الأجنبية "open mind"،ولكن إذا نظرنا، بعينٍ مَترقِبةٍ، سنجدُ أنَّ أهلَ تلك الأراضي الزراعية أكثر اعتدالاً على شرائع الدين عن أهل الحضرِ ، وأكثر اقترابًا من ثقافة هؤلاء الذين سبقونا بزمانٍ، ونطلقُ عليهم مسمَى "محترمين" . 

لا يتركُ الاختلافُ في الثقافات بين مكان وآخر، ذلك الاختلافُ الذي نجدُه في معاني بعض الكلمات التي تُنطَق في مكان بمعنى معَيْن، وذلك المعنى لا عيبَ فيه عند أهلِ تلك البلدة، وبمعنى آخر لنفس الشئ في بلدة أخرى، وذلك المعنى فبيحٌ، وفيه عيبٌ، فلمَّا أحدُنا يحبُ أنْ ينتقلُ من هذه البلدة إلى تلك، فهو يحمل المعنى الذي لا عيبَ فيه عندهم - حسب ثقافتِها - إلى تلك البلدة التي - حسب ثقافتها - تعيبُ ذلك اللفظَ، فلا يحب أهل المدينة أنْ يسمعوه، حتى إذا نطقَه أحدٌ بحسن نِيه، يرد عليه الآخرُ، إما بتوبيخٍ، وبعلو الصوتِ محْتجًا، إذا كان لا يعرفُه، أو يسرعُ إليه بقول هذا اللفظة تعني كذا، فلا يصحُ أن تقولها، فينظر إليه متعجبًا لقوله، ويعارض متعجبًا، إذا كان يعرفُه، وأيضًا هناك من الأسماء ما يدل على أشياءٍ مختلفةٍ في بلادِ دولةٍ واحدةٍ. 

لا شكَ أنَّ العيشَ في الحضرِ له عيوبٌ ومميزاتٌ، كما هو الحالُ في الريفِ، فلها أيضًا سيئاتٌ وحسناتٌ، لكنْ عيوبُ المدن، لا ننفرُ منها كثيرًا بالمقارنة بعيوبِ الريف، فمن الممكن أن نتحملُ عيوبَ الأولى لمميزاتها، ولايحدث ذلك في الثانية، فمميزاتُها لا تشفعُ عند سكانها في ذلك، فأكثر ما يكون في المدينة مختلفًا عن قرى الأرياف، هو أن لا أحدًا يتدخل في شئون غيره، فكلٌ حرٌ في تصرفه، يفعلُ ما يشاءُ، حتى إنَّه لن يخافَ من أنّ أحدًا سيتحدث عليه بسوءٍ، لأنَّه - ببساطة - لا يفعلُ غريبًا عن تلك الأفعالِ في المدينة، إذن ما الأمرُ؟، الأمرُ أنَّه في أي قرية ريفية، إذا حدثَ بها شئ مما يحدثُ في المدينة سيكون مخالفًا لعاداتها، فهذا الشئ غير مقبولٍ، لا تقلْ ذلك وتقفْ، بل غير مقبولٍ في الريف، بعيدًا عن إذا كان ذلك عيبًا، أو حرامًا. 

لكننَا أصبحنَا نحكمُ على تلك التقاليد، والعادات، بمنطق إنْ كانت مقبولةً أو مرفوضةً في أي من المجتمعين الذي نعيش فيه، الريف والمدن، وربمَا تكونُ تلك العادات لا تخالفُ تعاليمَ الدين، فإنْ كانَ الأمرُ كذلك فلا عيبَ أنْ تحكمَ البيئة بتأثيرها على أفعالِ أهلِها، أما إذا كان ذلك العُرْفُ يتعلقُ بشئٍ من تعاليمَ الدينِ، فلا يحق لنا أنْ نحكمَ عليه، بأنَّه شئٌ مقبولٌ أو مرفوضٌ في أي من البيئتين، وإنْ كانَ ذلك يحدثُ بالفعل...!.
البريد المخصص للتواصل مع إدارة الموقع: contact@adabpress.com