. دافع الخوف (عن تجربة) | أحمد الشحات حسيني
أدب بريس | منصة عربية للتدوين

دافع الخوف (عن تجربة) | أحمد الشحات حسيني

Photo by Gabriel on Unsplash


الكاتب: أحمد الشحات حسيني

قد يكون للدافع نفسه ناتجان متناقضان تمامًا، إحداهما يكون هو الذي ترجوه أو تكتشف بعد ذلك أنه كان خيرًا، لأنك وقتها لنْ تعرفَ أن تحكم عليه أبدًا، وآخرًا كان سببًا في فقدان شيئ مثلاً، ففي نظرك كان شرًا، والذي لم تكن تدركه أيضا، لكن مع مرور الأيام، سينكشف لك الأمر لتعرف أنّ ذلك الدافع في موقف معين ما كان ليخطئك، وفي موقف آخر كان ليخطئك، ولكن لم تستطع أن تفرّق بين هذا وذاك وقتها، لكن على كل حال، كل شئ يحدث للإنسان فهو فيه خير له، حتى وإن كان لا يرجوه، أما بعد.

أذكر من تلك الدوافع التي قد يكون نتيجتها سلبية أو إيجابية الخوف، وإنني أتذكر يوما كنت قد استيقظت فيه، وكان يوم من أيام بداية شهر سبتمبر وبداية الذهاب للمدارس، عندما لاحظتني أمي وأنا جالس، وقد مر الوقت ولم أذهب إلى الحَضَانة (روضة الأطفال)، قالت لي بصوت أجش متعجبة :(روح على مدرستك قاعد ليه)، وأقول بدوري ( طيب رايح أهو)، وتعلق أمي ثانية: (هتروح إمتى...! لما يرجعوا)، فأقرر قائلا لها:(أنا مش رايح)، ولا أذكر سببا لذلك، ولا أرى إلا أنْ أخذت بيدها عصا من على الأرض بعد أنْ نفذ صبرها، وتحايلت عليّ بما فيه الكفاية، إلا أنني مصِر ألا أذهب إلى المدرسة وبدون تعليل لذلك، وكنت حينها أخاف جدا من أمي ومن تلك العصا التي كانت تمسكها، كنت أرتاع لو رأيتها فقط تمسك العصا وتأتي بها إلى ناحيتي، وحينها وبدون أي كلام إلا تلك الكلمات التي كنت أنطقها خائفا، والتي لم تكن تفهمها أمي حينها، وأمسك بيدي حقيبتي وأذهب إلى الحَضَانة (الروضة)، وما أن يتكرر ذلك الموقف مني إلا أن يتكرر هذا الرد من أمي، وتكررَ الموقف نفسه أكثر من مرة حتى علمتُ أن لا مفر من عصا أمي، فتنحيتُ عن تلك العادة وانتظمت ذاهبا إلى المدرسة خمسة أيامٍ من كل أسبوع، وتصرفي في تلك المرحلة ليس بالشيئ الغريب على أحد في سني حينها أن يفعلها، وما أكثر الأطفال الذين يفعلون ذلك، ولا يحبون الذهاب إلى حَضَانتهم (روضتهم)، وكيف للأطفال أن يتعودوا سريعا على الذهاب دون رفض وهم قد قضوا ست أو سبع سنين منهمكين فقط في اللعب، وأن بداية الذهاب إلى الحَضَانة يكون أول عهدهم بالمسؤولية تجاه التعليم، وعمل الواجب المدرسي، وكتابة الحروف الأبجدية خمس مرات لكل خمسة حروفٍ في عدد من الصفحات قد تطلبه المعلمة (معلمة الأطفال).

ولأني - كما قدمت - كنت أخاف بل أهلع من عصا أمي، فكان هذا الخوف يدفعني إلى الذهاب إلى المدرسة فورًا (من غير نفَس)، فماذا لو كنت لا أخاف أمي ولا العصا، لو لم يكن ذلك الخوف حينها لمَا وجدتموني أكتب الآن، ولا كنت قد تعلمت الإملاء والقراءة، فالخوف هنا كان بمثابة الدافع الذي كان يدفعني أن أذهب إلى المدرسة - من قبل أن أتعود على الذهاب - والتي نتيجته تكون إيجابية وعواقبه مرجوة لا شك، فالعلم نور، وعلى نفس الوزن، فالجهل ظلام.

فالخوف قد يكون ما بين الصديق الذي يأخذ بيدك، وبسببه تفعل أشياءا، لا تندم عليها فيما بعد، وبين العدو الذي يحول بين حلمك وبينك، فتتركه خوفًا ألا تناله.

ذلك وقد أتى الخوف متخفيا في شكل الرجل الذي يعرف مصلحتي، وإن كان الفضل كله في ذلك يرجع لأمي ، وما تركني إلا وقد استقمتُ على طريق التعلُم، وما تركني حتى تركت تلك العادة التي كادت أمي تضربني بسببها، ثم جاء ذلك الخوف مرة أخرى وإن كان هذا النوع من الخوف لا يشبه المذكور أولا، ولكنه في الحقيقة يُسمى خوف.

منذ أن كان عندي ست سنين، وأنا لم أذكر الخوف، ولا سيما في تلك الأمور التي من شأنه فيها أن يغيّر من مصير حياتي تماما، لكنه أتى إليَّ حين كنت بحاجة إلى أخذ القرار وتحديد مصيري بصفة أولية، وليست نهائية، عندما كنت بحاجة إلى اختيار ما بين أن أدخل علمي علوم أم علم رياضيات، وكنت في ظلمة الحيرة، لا أرى أيا منهما يناسبني فيما بعد، وكنت في ذلك الوقت، بل من قبله بثلاث سنوات منذ بداية السنة الدراسية للصف الثالث الإعدادي، متخذًا قراري بأنَّ اختياري هو علم رياضيات، وقد رد علىّ أحد أصدقائي: الرياضيات في الثانوية وفي الصف الثالث الثانوي خصوصا صعبة جدا، لا تأخذها بسهولة رياضيات المرحلة الإعدادية، وينهي كلامه بتلك الكلمة قائلا وكأنه واثقا من قوله: (اسمع مني)، فتمر الأيام وننسى تلك المناقشة بخصوص ذلك الموضوع تماما، وتأتي اللحظة التي لابد فيها وأن أختار مصيرا، أهو علوم أم رياضيات؟... ثم بدأت أخاف من مصيري لو لم أختار علم رياضيات ولم ألتحق بكلية الهندسة-وهو ما كنت أريده منذ تلك المناقشة مع صديقين لي- فماذا أفعل؟، وليس في ذلك الاختيار (علم الرياضيات) كلية إلا كلية الهندسة من الكليات المرموقة، ويقال إنها من كليات القمة، فما إلا أنْ فاز خوفي على رغبتي فيما كنت أريده هدفي وهو كلية الهندسة، وما جعلني لا أختار علم رياضيات هو الخوف وحده لا شيء آخر، الخوف من ألا أحصل على الدرجة التي تؤهلني لدخول كلية الهندسة، فما كان لديا عقدة مثلاً من مادة الرياضيات كغيري من زملائي حين تخيّرهم، فيقول أحدهم: أنا لا أحب الرياضيات، وكنت في حيرة بسبب ذلك، فأنا في أيٍ من الفرعين جيد وبنفس الدرجة، فكان ذلك يشكل صعوبة لدي، فتركت علم الرياضيات ودخلت علم علوم، والسبب في ذلك الخوف، هو الذي حال بيني وبين حلمي، والآن حين أتذكر أقول يا ليتني لم أخفْ، ولكن الخير فيما اختاره الله، وتوكلت على الله في الفرع الآخر ولم أندم على دخولي لعلم علوم، ولكنني نادم على تركي حلمي، بسبب شئ فارغ، كان لا يستحق مني إلا أن أهزمه بثقتي طالما أريد أن أكون مهندسا، ومرت الأيام وفاتت سنة، ودخلت كلية أخرى، لم تكن في عقلي، ولا كانت من ضمن حساباتي إطلاقا، ولكنها كلية لا بأس بها ومستقبلها إن شاء الله جميل، وما كان ليسألني أحد عن حلمي فأقول له: كنت أريد كلية الهندسة إلا أن أعترف له بأنّ الخوف هو الذي منعني من تحقيقه حين يسألني ولماذا لم تحققه؟.

فالخوف قد يكون ما بين الصديق الذي يأخذ بيدك، وبسببه تفعل أشياءا، لا تندم عليها فيما بعد، وبين العدو الذي يحول بين حلمك وبينك، فتتركه خوفًا ألا تناله. 
البريد المخصص للتواصل مع إدارة الموقع: contact@adabpress.com