أن تكون مختلفا فتموت مجنونا | أحمد الشحات

إشترك في النشرة البريدية

إغلاق القائمة
جميع الحقوق محفوظة لـ أدب بريس | الرئيسية © 2019

الرئيسية / / أن تكون مختلفا فتموت مجنونا | أحمد الشحات

أن تكون مختلفا فتموت مجنونا | أحمد الشحات



محتويات المقال




     بقلم الكاتب: أحمد الشحات 
    انطلاقا من قول "الإنسان عدو ما يجهل"، ووصولا إلى أنه أيضا معارض لكل جديد، فقد يكون إجماع كل البشر على ما هو جديد أنه بلا معنى، مما يؤدي إلى غلق آفاق الأمل في وجه من وجد هذا الشئ الجديد من فكرة، أو نظرية بسيطة، لمجرد أنه لا يملك أي إثبات عليها، أو أي تفسير علمي لها قد سبق وضعه، فأنَّيٰ لك هذا أيها الصعلوك؟.

    فذلك قد يتحقق كثيرا مع أي شخص يحاول أن يضفي جديدا لفكرة أو لعلم، وربما تكون فكرته سليمة مئة بالمئة، وعدم الأخذ بها يؤدي إلى كوارث، لسنا في حاجة إليها، والسبب الوحيد في ذلك أننا لم نتقاعس بل لم نتقبل ذلك الرأي من الأصل، وعلى صعيد آخر، قد يكون هذا الرأي الجديد في فكرة أو علم، نحن في حاجة لها غير صحيحة بالمرة، ولكن هنا لن يحدث كوارث كما سيفعله عدم أخذنا بتلك الفكرة الجديدة، إذن فعندما يُقترَح الرأي وناخذ به، فإذا كانت نتيجته غير المرجوه تركناه وبحثنا عن غيره، ولم نخسر شيئا، أو لم نأخذ به من الأصل والدافع في ذلك عدم تقبله، لكن الأعجب إذا كان ما اقترحه أحد حقق نتيجته المرجوه لن أقول تماما، ولكن ظهرت علامات تشير إلى أن الطريق الذي نسلكه صحيح جدا، فلِمَ لا نكمل ذلك الطريق إذا.

    ففي منصف القرن التاسع عشر، انتشر مرض فتاك يصيب المرأة إما الحامل، وإما حديثة الولادة، في الأيام التالية لانتهاء عملية الولادة مباشرة، ليكون الطبيب أغناس سيميلويس حاصلا على درجة الدكتوراه من جامعة فيينا بالنمسا، وذلك في عام ١٨٤٤م، وعُينَ في مستشفى الجامعة "فيينا"، ليعمل على رأس العيادة الأولى للتوليد كمساعد لبروفيسور بذلك القسم الطبي، ولحسن حظه أو سوءه، أو ربما لكليهما، يواجه الطبيب أغناس انتشار ذلك المرض مع الفريق الطبي آن ذاك، وأُطلِق على هذا المرض حينها اسم"حمي النِّفاس" والذي ارتفعت نسبة وفاة الأمهات اللواتي أُصيبن به إلى ٢٠بالمئة، لدرجة أن كان هذا المرض بمثابة شهادة وفاة للأم إذا أصابها ذلك المرض، لأنه في ذلك الوقت لم يعرف الأطباء تفسيرا له على الإطلاق، فالكل في زهول عظيم وريب عقيم.

    وبينما كان صديق للطبيب أغناس يجري تشريحا لأحد الحثث الميتة، أصاب نفسه بجرح ، فمات بعد ذلك، بعد أن أُجرَى له تحليلا كشف عن تسمم في الدم، والذي ساعد الدكتور أغناس أن ذلك التحليل كان مشابها لتحليل الذي أجروه لمن هن تم إصابتهن أو تحليل من ماتوا قبل أن يموتون، فساعده ذلك ببراعته، وملاحظته، أنه ربط بين أن الأطباء الذين يجرون عملية الولادة هم من كانوا قبل العملية يشرحون بأيديهم، والذين كان يذهبون آتيين من غرف التشريح إلى غرف التوليد، حاملين بين أيديهم تلك الجراثيم التي تفتك بأحشاء الأمهات وتهلكها حتى الموت، ورغم ذلك، كان الأطباء يرمون اللوم على تلوث الهواء، ليرد عليهم الدكتور أغناس ويقول إن عملية الولادة التي تمم في الممشى تنجح دون تلك العملية التي تتم في مستشفى الجامعة، وما أدراك ما مستشفى الجامعة، إذ تتلقي الأم رعاية كاملة، ولكن كيف للرعاية تحميها من هذا المرض، والسبب فيه هم الأطباء أنفسهم، وحينها ألزم سيميلويسُ الأطباءَ إلزاما صارما بغسل اليدين بهيبوكلوريت الكالسيوم، فأخذ معدل وفيات الأمهات نتيجة لذلك المرض تنخفض حتى تكاد تنعدم، إلا أن الأطباء لم يتقبلوا نظرية أغناس، لأنه ألقى باللوم علي أيدي الأطباء، فكيف يلوم تلك الأيادي الملائكية، ويقول إنها السبب في ذلك المرض، وأيضا لعدم إجاد أغناس لتفسير علمي ومنطقي لها؛ بسبب غياب نظرية جرثومية المرض آن ذاك، مما أدى إلى عدم قبول نظريته، وهي غسل اليدين قبل إجراء أي عملية ولادة، لأي سيدة، إلا أن إدارة المستشفى رفضت الأخذ بتلك النظرية، وانتهى المطاف بصاحب النظرية إلى أنه طُرد من تلك المستشفى، ليعود إلى مسقط رأسه في"بودابست" ولم يقف مكتوف الأيدي عند ذلك، إذ نشر مقالاته التي تحمل نظرياته تلك وغيرها ، إلا أنها قوبلت برفض عنيف حتى من أصدقاءه أنفسهم، لدرجة أنه نشر كتابا بعنوان "الأسباب والمفاهيم والوقاية من حمى النَّفاس<بالألمانية>"في عام ١٨٦١، ولكن لا حياة لمن تنادي؛ ليصاب بعد ذلك، بأزمات نفسية، وعجز الأطباء عن فهم مرضه، وأصبح يدمن الخمور والملاهي الليلية؛ لينتهي به المطاف إلى أحد مصحات الأمراض العقلية، ويموت قبل أسبوعين من التحقق من أن نظريته كانت صحيحة مئة بالمئة، في١٣ أغسطس عام ١٨٦٥م عن عمر يناهز سبعة وأربعين عاما، بعد معاناته من تعفن في الدم، والغنغرينا.


    ذلك وقد أصبح أغناس سيميلويس - كما قيل - أول من لزم غسل اليدين، في مجال الطب، وهكذا أنقذ العديد من حياة البشر، ذلك غير ملايين الناس الذي ماتوا قبل أن يتوصلوا إلى حقيقة ما قاله ذلك الطبيب الذي قضى آخر أيامه في مصحة للأمراض العقلية، ووقوف من يعرفونه وغيرهم أمام ما أتى به لينقذ الأمهات من وحشة مرض حمي النَّفاس، ليُلقَب بعد ذلك بمنقذ الأمهات، حيث يقول ذلك المنقذ راجيا "هدف دراساتي إنهاء مسلسل الرعب في عيادة التوليد وإنقاذ حياة الزوجة، لتعود لزوجها، وحياة الأم لترجع إلى طفلها"، ورغم أنه مات دون أي تكريم له، فبعد أكثر من مائة عام، غُير اسم جامعة بودابست للطب إلى جامعة سيميلويس، وأطلق اسمه على أكثر من خمسمائة قاعة في أنحاء العالم، ونُحت لملامح وجهه الرصين أكثر من مائة تمثال في أروقة المستشفيات، والجامعات، والمتاحف، وقد كانت آخر جملة قالها وهو على فراش الموت هي "عندما أنظر للماضي، أعلم أن الحزن الذي استولى علىّ سيتبدد عندما أرى أن هذه العدوى تتلاشى، أنا على يقين بذلك، وتلك البهجة بذلك اليوم الموعود الذي سيأتي عاجلا أم أجلا، هي السبب الذي يجعلني أموت الآن بسلام".


    عدولا عن ذلك، فلا تخش أن تكون صاحب رأي جديد حتى ولو كان مخالفا لأراء كل الناس، ودعهم يثرثرون، فإذا كنت على حق، فيوما ما سيشهد لك من عارضوك أنك كنت على حق، ولن ينساك من أدرك ذلك أبدا، وإن كان وجهة نظرك لا صحة لها، فلن يعتب عليك أحد، لأنها كانت مجرد وجهة نظر، لا غير، فإن أكثر ما في هذه الدنيا قابل للنقاش، والتحليل، والسؤال.





    شارك المقال