. زمن اليأس! | نور الدين عمار
أدب بريس | منصة عربية للتدوين

زمن اليأس! | نور الدين عمار




زمن اليأس! 

بقلم الكاتب نور الدين عمار


     كانت جالسة باسطة رجليها على حصير مهترئ ... وكانت تربت بيدها على بطنها المنتفخ وتدغدغ سرتها الناتئة... وهن على وهن ومشقة وإرهاق وعناء...ها قد انتهت أخيرا إلى الشهر التاسع، شهر الترقب. بضعة أشهر ذهبت منذ أن تركت عِيشَة بيت أهلها...كانت تقيم مع أخيها ووالديها في نفس الدار مع أرملة عمها وولديه كما هو الحال عند معظم العوائل في البوادي... هي الآن مختبئة بظل خالتها حتى تضع جنينها... عسى أن يسلم أخوها عمر بواقع الحال بعد أن تضع مولودها -عمر شاب في الثلاثين من عمره، حليق الشارب ذو قسمات وجه قاسية تواريها لحية طويلة شعثاء- عسى أن يحن فؤاده ويرق حين يصبح خالا لوليدها...أما غير ذلك فسيقتلها لا محالة...

     ابتسمت ابتسامة مريرة وهي تتابع بعينين حنونتين انبعاج بطنها بفعل ركلات الجنين. تحسست رفغها براحتيها وأطلقت لسانها تناجي ذي البطن كأنه يسمعها: "اهدأ يا فلذة كبدي! يا قطعة مني! ... لا تتعجل الخروج يا صغيري! ...فالحياة لئيمة والأرض غدارة مثل قاطنيها... لقد أحببت أباك كما لم أحب إنسانا من قبل ... جُنِنْتُ بهوى ابن عمي خالد وعشقت فيه التحرر وحبه الجارف للحياة، كيف لا وهو اليساري التقدمي كما كان يحب أن ينعت نفسه مرارا وتكرارا... وثقت به وسلمته نفسي ففعل فعلته بي وتنكر لك ولي...  عاهدني على الوفاء وأن لا ينقض ميثاق الشرف بيننا، ولكن يبدو أنه عندما يفقد الرجال شرفهم تدفع النساء وحدهن الثمن غاليا... عجيب غريب أمر الذكور... يكره الرجل المرأة إن امتنعت عنه ولكنه يتزوجها على سنة الله ورسوله. ويحبها إن طارحته الغرام ولكنه لن يقبل بالعيش معها تحت سقف واحد. أي انفصام هذا؟ ... لم أستطع سبيلا لأفشي سره وأظهر جريمته النكراء... لم أملك من الأمر شيئا...  من كان ليكذب قَوّاما على النساء ويصدق ناقصة عقل ودين... أليس له في الشهادة مثل حظي مرتين؟ ... إنما أشكوه إلى من يمهل ولا يهمل وإليه أشكو بثي وحزني...."

   خنقت الدموع صوتها وكتمت أنفاسها. اعتصر الحزن قلبها. أرسلت من جوفها أنينا تقشعر له الأبدان. شعرت بانقباض في معدتها ومغص في أمعائها. تعاظم الألم واشتد... أهو المخاض؟ أتاها الرد على شكل وجع حاد مستمر مثل صعقات برق ظلت تستفحل في حوضها ورحمها جعلتها تطلق صرخة مدوية غصبا وقهرا...

    أمام باب البيت الكبير، يتمايل خالد حتى يكاد يسقط على أنفه ثم يتدارك نفسه. يمسك المفتاح بيده اليمنى في حين تطبطب اليسرى باحثة عن المغلاق. لقد عاد توا من ليلة ماجنة... خمر ودخان ونساء... منذ علمه بعودة عِيشَة وهو على هذه الحال... السكر يمنحه الجرأة والإقدام على ما عزما الإتيان به هو وابن عمه عمر.... فتح الباب بعد جهد جهيد... دفعه برفق لكن المفصلات الحديدية الصدئة أصدرت صريرا مرعبا كاد يُسقِط قلبه المرتجف من مكانه... توجه مباشرة صوب غرفة ابن عمه وقد استقام وزال ميلانه...يعرف أن عمر صَاحٍ فقد أوشك وقت صلاة الصبح وعمر لم تفته صلاة الفجر يوما...نقر الباب نقرتين... داخل الغرفة قفز عمر من مكانه. وضع يده على فم خليلته فاطمة؛ ابنة عمه، أخت خالد؛ مشيرا إليها بالصمت...أغمي عليها أو كادت، فقدت القدرة على الوقوف والحركة. أخذها بين دراعيه ودفع بها تحت السرير... أولج جسده العاري في زيه الأفغاني على عجل وفتح الباب...

حشر خالد جسمه واحتل به الحيز الضيق الذي تركه عمر بين خشم الباب وإطاره ورمق شريكه بعينين حمراوين كجمرتين ملتهبتين ثم همس إليه همس الشياطين وأنفاسه المتقطعة المخمورة تزكم الأنوف: "إنه اليوم الموعود ...اليوم نغسل العار الذي لحق بنا."
حاول عمر إبعاد الرائحة الخبيثة ملوحا بيده أمام وجهه كأنه يَذِبُّ ذُبابًا حط على خيشومه وأجاب: "نعم...عند الشروق لن يبقى في البيت غيرنا، فكن على أهبة الاستعداد."
همهم خالد بعضا من عبارات التوحيد وغادر مسرعا.
    ثلاثة أيام مضت منذ أن عادت عِيشَة إلى أهلها بعد شهرين من الوضع، ثلاثة أيام ولياليها لم تغادر غرفتها قط ولم تكلم فيها أحدا غير أمها وامرأة عمها.
على الأرض الإسمنتية الباردة، وضعت طفلتها بين ساقيها النحيفتين تداعبها وتلاطفها كعادتها...لقد أطلقت عليها اسم توناروز*، على أمل أن تبتسم لها الحياة.

في غفلة منها تسلل خيط رفيع من أشعة الشمس إلى غرفتها عبر الباب وتسلل معه خالد وعمر... وقف أخوها أمامها مباشرة كعملاق مارد. رفعت عينيها إليه. لم تفطن لحركة خالد الذي خلف لها بسكين عظيمة ولم يمهلها وقتا تشعر فيه بالرعب والرهبة أو أي شعور كان...فقد عالجها بطعنة غادرة في ظهرها اخترقت قلبها، ثم سل خنجره الدامي من بين كتفيها وفر هاربا... ترنحت وسقط نصفها العلوي إلى الخلف...أما عمر فقد جثم عليها وجعل يكيل لها طعنة تلو طعنة. واحدة بين فخذيها شوهت أعضاءها الحميمة وأخرى بقرت بطنها وجبذت أحشاءها...والثالثة وما تلاها مزقت نهدها الأيسر وهشمت الأضلع في صدرها ...مسح خنجره على طرف ثوبه وخرج من الغرفة بهدوء خرافي...

جرت الدماء من تحتها أنهارا حتى كادت تغرق الرضيعة. غمست الصبية يديها في دماء أمها ورفعتها إلى فمها تلعق أصابعها الصغيرة الملطخة...كان لا يزال في الأم رمق أخير...سحبت طفلتها نحو صدرها وأسكنتها في حضنها... أخرجت ثديها الناجي ووضعته بين فكي وليدتها...أحست باللبن يسري في مجاري ثديها ويندفع من حلمتها ... رمقت بعين ذابلة صغيرتها تمتصه بنهم شديد ... مسحت على رأسها الصغيرة اللينة وأسلمت الروح...

* توناروز: الأمل باللغة الأمازيغية

البريد المخصص للتواصل مع إدارة الموقع: contact@adabpress.com