. في زمن الجوع والحرب - الجزء الثاني | ليلى أشملال
أدب بريس | منصة عربية للتدوين

في زمن الجوع والحرب - الجزء الثاني | ليلى أشملال

ليلى أشملال.. كاتبة ومدوّنة من المغرب


رجعت إلى دارنا بذلك الحي الشعبي الفقير، علمت أمي من تقاسيم وجهي أنني لم أبع شيئا وأنني لم أحصل على المال، لكن مازلت في نظرها ذلك "المطور" كانت تفضلني أمي عن ما تبقى من إخوتي الذكور لأنهم لم يكونوا يوما بذلك الذكاء والحذر الكافي لكي لا يخدعوا  من طرف أولئك الذين يعلمون أن لنا أبا استشهد في الحرب وأننا، من طرف الآخرين يتامى وأن لا أحد يحمينا من بطش الظالمين، أنا صغير في السن لكنني حميت عائلتي دائما، وتعبت كثيرا في شوارع القهر لأوفر لنا ما يضمن لنا عيشة كريمة، ما نستطيع أن نسد به جوعنا دون أن نلجأ لمد يدنا للغير، تقول والدتي " لو كان المرحوم حيا ما رضا لنا عيشة الذل أبدا.. " أتساءل لو كان على قيد الحياة فهل كان سيضربني حينما سرقت لأول مرة " قفة " من السوق!! هل كان سيوبخني؟ تقول أمي إنه يراني من السماء!! فهل كان راض عني ذلك اليوم؟؟ أنا لم أفعل ذلك عبثا! ما كان لي من خيار آخر، أنا الطفل الصغير الذي ما كان يسعدني أن أرجع لوالدتي خالي الوفاض، جعلته الحياة رجلا كبيرا في سن مبكرة، كانت تسعة أفواه جائعة تنظر إلي  وما كان في جيبي من دراهم فما عساني أفعل! تلاشت كل هذه التساؤولات حينما رأيت امرأة بخمار أسود تدخل منزلنا صحبة جارتنا "رقية"، لم أرها قبل هذا اليوم لكنها تبدوا مألوفة، سألت أمي عن سبب قدومهم، قالت لي لا تتدخل في أمور لا تعنيك، لكنني لاحقا علمت سبب قدوم تلك السيدة وغيرها من النساء، حينما شتمني ذلك الجرو الصغير قائلا لي " روح يا ولد السحارة، يالمشعود.. "، لم أستوعب حينها ما قاله لي، لكنني وبعد تحريات صغيرة فهمت كل شيء، لم أحب مصارحة أمي كما أنني لم أكن سعيدا بالوضع أبدا، لم يكن يعنيني ما قاله ذلك الولد المتسخ ولكن ما قد آلمني حقا هو العصيان الإلهي الذي تقوم به والدتي!!! يمكن لله أن يغفر لي سرقتي فهو يعلم دافعي لذلك، لكن هل سيغفر لأمي شركها!!! تسألني أختي إن كان يعتبر شركا!! نعم سمعت ذلك من فقيه الحي كان يناقش أحدهم، وسمعته يقول أن السحرة ملعونون و أن ما يقومون به هو شرك بالله. حذرت أختي من أن تتحدث مع أمي في الموضوع، هي التي كانت ترافق من هب ودب إلى تلك الغرفة التي اتخذتها والدتي غرفة لاستقبال ضيوفها من  النساء.

حل الظلام من جديد؛ أتوسد مخدتي المتسخة التي أشاركها مع أخي الصغير، ما زالت بعض النساء في الغرفة المجاورة مع أمي، لقد أحسست بفضول كبير هذه المرة لمعرفة ما يحدث داخلا؟ تسللت بخفة، وضعت أذني على الباب، لم أستطع سماع أي شيء، فجأة أسمع خطى متجهة نحو الباب اختبأت في "بيت الماء" وما إن خرجت تلك السيدة التي تركت الباب مفتوحا قليلا - ربما عن استعجال - حتى رجعت لأسترق السمع من جديد، كانت أمي تسأل إحداهن عن إسم زوجها و إسم أمه وعن المشكلة التي أتت من أجلها، المرأة تشكي خيانة زوجها بحرقة بالغة، هو الذي يخونها كثيرا ولا يحب أبناءه كما جاء على لسانها، اقتربت من الباب أكثر لأختلس النظر من الفتحة فرأيت أمي تأخد سائلا أصفر اللون وتكتب به شيئا في ورق أبيض ثم تلقي به في قارورة صغيرة مملوءة بالماء وتمنحها للسيدة قائلة "رشي شوية حدا باب الدار، ولبقا شربي منو نتي وولادك، ضروري تشربو منو كاملين وبعد سيمانة عاودي رجعي"، ثم قبل أن تنهض السيدة من مكانها للمغادرة، قامت أمي بإعطائها حجابا مضيفة "خذي هذا وحطيه فداخل وسادة راجلك وما يكون غير لخير"، ثم تهم آخر ما تبقى من النساء في الغرفة بالخروج. 

ما سمعته و ما رأيته للتو، يجعلني في حالة اندهاش من أمي؟ فهل ما تقوله صحيح! هل تستطيع حل جميع مشاكل تلك النساء!؟ هل تستخدم الجن؟ بيتنا مسكون إذن! شعرت بخوف  شديد ثم ذهبت للنوم قبل أن تلمحني أمي و ينزل كل غضبها علي.

لم أستطع النوم أبدا من التفكير، أفكر في كوني أخا كبيرا لتسع إخوة أصغر مني، يشاركونني الغرفة الواحدة، هي تتسع لنا جميعا، فهل رحمة الله ستتسع لنا  جميعا أيضا؟ هل سيسامح  الله أمي!؟ هل سيأخذنا بذنوبها هي لا ببراءتنا نحن!؟

كانت تتزاحم الأسئلة في عقلي الصغير وتمنعني من النوم، تلك الأسئلة التي امتلكت أجوبتها حينما كبرت، كانت أسئلة تافهة لطفل يبيع السجائر طمعا في كسب لقمة عيش، ما كانت  سوى أسئلة بسيطة تؤرق ابن "شهيد".

نمت نوما متقطعا، لقد كنت طفلا صغيرا بمهام كبيرة وبتعب كثير، لم أحس بطعم الراحة هذه الليلة ظللت أتقلب في فراشي الذي بلله أخي كعادته كل ليلة، بدأ شعاع الصباح يتسلل للبيت عبر تلك النافدة التي أوشك بابها الخشبي القديم على  السقوط، افتتحت صباحي بتناول قضمة خبز وكأس شاي مر دون سكر لأنه قد نفذ، وأنا لم أبع سيجارة واحدة مند الأمس، لذا سأعتاد على هذا الطعم المر للشاي والطعم المر للحياة ولكل شيء من حولي، لن أحتج كباقي إخوتي لأنني أنا الأب وأنا الأخ وأنا العم وأنا الخال وأنا الذي يتقون به وأنا الذي يحومون حوله طمعا في قطعة نقدية لشراء بعض الحلوى، أنا من يجب أن يتعب و يضحي ليشتري السكر وغيره من المستلزمات، أما عن أمي فلا أظن أنها تكسب الكثير من عملها الجديد ك "شوافة"، يا إلهي ما أغبى النساء؟ كيف يصدقن كلام أمي! كيف ينخدعن بهذه السهولة!؟ لو كانت أمي تستطيع فعل شيء عن طريق الجن أو "صحاب المكان" كما  يسمونهم، ألن تستطيع انتشالنا من هذا الفقر المدقع!؟ فعلا مسكينات هن النساء.

لبست نعلي المطاطي وأخدت علب السجائر ثم انصرفت خارجا، الأوضاع مازالت لا تبشر، الكل يشتكي من غلاء أسعار المواد الغذائية والكل يلعن الأوضاع التي يمر منها، بخير هنا المغرب كوطن وأفراده كشعب، لقد كنا على بعد سنتين من انتهاء ما يسمى "بانتفاضة الخبز" سنة 1984 التي اندلعت في مجموعة من المدن المغربية والتي جاءت نتيجة ارتفاع كلفة المعيشة، ورغم مرور سنتان على ذلك إلا أن المغرب ما زال يعرف أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة، ونتيجة لذلك كان الوطن يمر من سلسلة انتفاضات اجتماعية تواجه بعنف أمني كبير واعتقالات واسعة فيخمد نارها وتنتهي. سألوني كثيرا كيف مات أبي! لم يمت أبي في أي انتفاضة ضد الحكومة المغربية أو ضد قرارتها أنذاك، بل مات فداءا للوطن. 

بقلم ليلى أشملال

البريد المخصص للتواصل مع إدارة الموقع: contact@adabpress.com