في زمن الجوع والحرب - الجزء الأول | ليلى أشملال

إشترك في النشرة البريدية

إغلاق القائمة
جميع الحقوق محفوظة لـ أدب بريس | الرئيسية © 2019

الرئيسية / / في زمن الجوع والحرب - الجزء الأول | ليلى أشملال

في زمن الجوع والحرب - الجزء الأول | ليلى أشملال



محتويات المقال


    ليلى أشملال.. كاتبة ومدوّنة من المغرب


    غرفة صغيرة، تلفاز لا يلتقط أي إشارة، علب أدوية على الطاولة، كسرة خبز وكأس شاي، إنارة خافتة وصنبور يحدث صوتا كذلك الذي نسمعه أثناء وقوفنا منتظرين بضع قطرات من الماء لكن لاشيء يأتي فنغلقه ثم ننام. السماء تمطر وسقف يسيل سأصلحه غدا، يكفي الآن أن أضع دلوا تحت مكان الثقوب.. لك يا عزيزي القارئ أن تغمض عينيك وتتخيل هذه الأجواء، بماذا تفكر.


    في زمن الجوع والفقر لن تستطيع التمسك كثيرا بقيمك، ستتغاضى عن الكثير والكثير لتستطيع العيش، حلال أم حرام!!

    حسنا قبل أن تقرر ذلك سأمنحك نصا مرافقا للوصف، نصا لذلك المستلقي على السرير، السقف فوقه والماء تحته، حينها يمكنك أن تجيب، يقول " لقد كنت أخا لتسعة إخوة؛ كنت أكبرهم سنا، أبي استشهد في الحرب! لقد قال لي صديقه أن رصاصة أصابت رأسه أردته قتيلا، لقد مات شهيدا، انفجر رأسه، هل يدخل الشهداء الجنة!! هل ذلك الألم يمحي جميع ذنوبهم الكبيرة والصغيرة! كنت في العاشرة من عمري حينما تركنا، طردوني من المدرسة بعد أن رسبت كثيرا في ذات القسم!! لم أحصل على الشهادة حينها، خرجت من قسم الدراسة ليتكلف قسم الحياة بتعليمي، كانت أمي تناديني " المطور " أي ذلك الشخص الذي يأخذها من فم السبع كما يقولون، هي اعتمدت علي في كل شيء، لم تستطع مخالطة الرجال أذكر حينما أمدتني ببضع دراهم لأشتري خضرا من السوق الشعبي بحينا، احتفظت بهم لم أشتري شيئا، كنت مدركا تماما لإحساس الجوع وإحساس الحاجة، لقد أتيتها محملا ب " قفة " تحمل ما جاد به السوق من أصناف خضر وفواكه، حتما كانت قفة لشخص متيسر الحال، هي تعلم أنني سرقتها ما دمت قد أرجعت لها المال الذي لن يكفي حتى لشراء أكثر من حبة فاكهة حينها. تبا ألعن ذلك اليوم! رغم أنني كنت مسرورا بانتصاري الأول على الحياة، هي تعلم أنها مسروقة لكن لم تعقب على الأمر. في زمن الجوع والفقر لن تستطيع التمسك كثيرا بقيمك، ستتغاضى عن الكثير والكثير لتستطيع العيش، حلال أم حرام!! هل كان من الواجب أن يفكر من مثلنا بذلك حقا، في زمن حتى البطون الممتلئة المتوسدة أموالها وأموال غيرها لم تكن تكثرت لذلك.

    لقد تكرر أمر سرقتي كثيرا، أتذكر مرة سرقت فيها خبزا، كان يوما سيئا، حقا لقد كنت جائعا، وكان الجو حارا، لم أتمكن من بيع السجائر كما الأطفال الذين سبقوني لهذه التجارة الرخيصة! لقد كنت أطرد من كل زاوية ألجأ إليها للبيع، قال لي أحدهم يكبرني بسنوات " روح من هاذ القنت، مناهوش تاعك حنا سابقين ونبيعو قبل منك هنا.. لكليان عارفنا " مللت من التجوال قادتني قدماي الصغيرتان إلى أماكن عديدة شعرت بالعطش والجوع، كان منظر الخبز شهي جدا!! لم أستطع مقاومة رائحته التي تداعب أنفي الصغير، كان خارجا لتوه من الفرن و لم يكن في جيبي سنتيما واحدا! أنا أعرف ذلك الرجل الشحيح لن يرحمني إن أنا طلبته، فكرت في خطة صغيرة، واحد اثنان... لم أكمل العد إلى ثلاثة حتى وجدت نفسي أهرب بكل ما تبقى لي من قوة، أراه يجري ورائي ككلب لا يريد الاستسلام، أمسكني الكلب وضرب جسدي الصغير، كان يركلني بحذاءه الكبير القذر، أ قضمة واحدة من الخبز تستحق كل هذا العناء.

    مازلت أشعر بالجوع، الكلب ركلني في بطني جعلني أتقيأ ما أكلته منذ البارحة، لم يسقط في جوفي شيء هذا الصباح، أبتلع ريقي وأتذكر أمي ثم أنهض من على الأرض، يحب أن أربح بعض المال فهناك تسع أفواه جائعة تنتظرني، تعبت حقا لماذا كل هذه المسؤولية الكبيرة في هذا العمر الصغير الذي يلعب فيه غيري، تمنيت كثيرا لو أن أبي مازال على قيد الحياة لو أنه لم يستشهد، وحتى لو أنه كان قاسي كثيرا وكان يصرخ دائما، لكن الحياة أقسى بكثير! ربما الحياة هي من جعلته على تلك الطباع الصارمة، هل سيكون لي أولاد يوما ما!!! هل سأقسوا عليهم أيضا!؟

    يتبع.. 

    بقلم ليلى أشملال




    شارك المقال