أحمد الشحات | عاداتنا في العيد

إشترك في النشرة البريدية

إغلاق القائمة
جميع الحقوق محفوظة لـ أدب بريس | الرئيسية © 2019

الرئيسية / / أحمد الشحات | عاداتنا في العيد

أحمد الشحات | عاداتنا في العيد



محتويات المقال






      " كل يومٍ يمرُ على الإنسانِ حلوا عيدٌ "، أسمع تلك الجملة كثيرًا من فم أمي، وقد تكون أمهات مصر كلها ترددها على إذُن أولادهم، عندما تشعر بمسحة من الحزن والحسرة في عيون الأطفال بقولهم انتهى العيد، فتَردُ هي بدورها بتلك الجملة، وتقبلهم قائلةً: كل عام وأنتم بخير، أما الأطفال فقولهم حتما لا، فالعيد عند الأطفال ما هو إلا يوم العيد، وضع"فهُمْ لم يكبروا في السنِ حتى يقدِّروا قولَ أمِهم " كل يوم يمر على الإنسان عيد"، فما العيد لديهم إلا ساعات الضحك واللعب وشراء الألعاب، وقبل كل ذلك أخذ العيدية من أقاربهم ومن الأب والأم بالأخص، هم لا يذهبون إلى الأماكن التي توجد بها المراجيح وغيرها من الألعاب إلا في يوم العيد-وإن كانوا يذهبون - فذلك اليوم خصوصًا له طعم خاص لا بتكرر في يومٍ غيره أبدًا.


    رائحةُ العيد تنتشر في كل أرجاء المكان قبل أن يحضر اليوم نفسه الذي نطلق عليه "يوم العيد"، فتجد الأسرة انغمست في فوضى الترتيبات ليوم العيد القادم بعد يومين - إن كثُرَ - فيُنظَف ما يحق له أن يُنظَف ويُغسَل ما يحق له أن يُغسَل، ويُنقَل ما ألفتْ أفرادُ الأسرة مكانه من أداة إلى مكان آخر، فأرادت أن تغيِّر مكانه، وتزداد الآراء حول مكان ذلك الشئ هنا أم هناك أفضل، وربما لا يثبت في مكان إلا بعد أخذ رأي كل أفراد الأسرة، أو ربما تتجاهل الأخت ذلك البتة، وتفعل ما يأتي ببالها، وتبريرها لذلك أنَّ أحدًا لن يعترض على ذلك، والأطفال ما بين ذلك متهالكون في اللعب بينهم .


    في ليلة يوم العيد تقل الفوضى شيئا فشيئا، ويعود كل شئ إلى مكانه، الذي كان به من قبل ماعدا الذي تم نقله إلى مكانٍ آخر أو ما تم تغيير شكله من فرش أثاث البيت، وسجاد الأرضية، شكل البيت يتشكل بأجمل ما كان عليه من قبل، والظاهر حينها، أنّ هذه الفوضى كانت بعدها ترتيب جميل، وكل ذلك من أجل "العيد"، ويُصوِرُ ذلك إلىّ، أنَّ هذا العيد ضيف غالي علينا جميعًا، وعلى أمي أكثر، والحق أنَّه كذلك غالي، فهو الذي جعل كل شئ يستعيد مظهره الجميل الأنيق هكذا، هو الذي جعل الأطفال يسْعدون، ويلعبون فرحين بأنَّ العيد أتى إلينا، والحق أنَّه غالي لقلة قدومه إلينا كثيرًا، فما يأتي ذلك العيد من نوعه إلا مرة كل عام .


    اكتمل البيتُ ترتيبًا وتجميلاً، وأصبح جاهزًا أن يستقبل ضيفه العزيز على قلبه بكل ترحيبٍ وحفاوةٍ، ومازالت الأم تبذل جهدًا، ومَنْ يساعدها في ذلك، فتُعِدُ ما يلزم له أن يكون جاهزًا من طعامٍ في تلك اليلة، ومن بين كل ما يمكن أن تجهِّزه الأم للطعام،هي تلك الأكلات التي تجعل بطوننا تنفذ من الطعام مُعلِنة عصافيرُها - كقولنا حين نشعر بالجوع - بالحاجة إلى طلب الأكل، والسبب في تلك الرائحة التي تتسلل إلى الأنف مباشرةً، ولو كان أحدهم يعاني من الزَّكام حينها - لا قدر الله - حتما سيستنشق تلك الرائحة دون شك، فيقول" لأمه تسلم إيدك يا أمي " وهو يمد يده إلى أحد صوابع الكفتة مثلا، وربما تنهره أمه قائلةً: "كفاية عشان نلاقي حاجه ناكلها" بعدما تقول له " بالف هنا يا حبيبي"، وبلا شك، يتكرر ذلك المشهد مع باقي أخواته .


    نشاهد مشهدًا آخر يدور بين الأطفال ، والأم بدورها الذي لا يُستثنَي أبدًا في تلك الأيام الربانية العظيمة، ويبدأ حين يقومون بارتداء ملابس العيد الجديدة، حين تعبِّر الأم عن رأيها لكل فرد من أبناءها على جمال اللبس، وهي تقبِّلهم داعية اللهَ أن يحفظ والدَهم، وأن يكون موجودًا دائمًا بين أولاده، ومعها، وربما تعلو الأصواتُ بين الأطفال، حيث يقول أحدهم للآخر "انا طقمي أحلى"، فتتدخل ألام تريد أن تُخْفِض من حدة الصوت قائلةً : " كل واحد طقمه جميل عليه "، ونستثني من ذلك المشهد المضحك الكبار سننا على فعل ذلك، ولا نستثني دورهم، وهو الضحك على ما يحدث، الأمر الذي يجعلهم يتذكرون أنفسهم حين كانوا صغارًا مثلهم، ويفعلون ما بفعلونه إخوتهم الآن، ثم تنسحب الأم تاركة المشهد ينفض من بعد انسحابها شيئا فشيئا،مُعلِنة في الوقت نفسه أنَّها لا تريد صوتًا عاليًا منهم .


    من بعد ذلك تمر ساعات الليل على الساهر، والذي قاوم حاجته إلى النوم، أبطئ مِنها علي مَنْ لم يستطع أن يقاوم حاجته للنوم واستسلم للنوم، للاستيقاظ قبل صلاة العيد ليصليها مع إخوته ووالده ذاهبين إلى حيث الصلاة جماعة، ومن بعد سماع التكبيرات "الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله اكبر ولله الحمد، ثُمّ من بعد ذلك سماع الخطبة مع شروق الشمس ومن ثَمَّ نصلي الركعتين، ونعود إلى المنزل، والكلُ سعيدٌ والفرحُ يغمره.


    بعد أن انتهت أيام رمضان الكريم نتناول أول فطار صباحًا، وتوصي الأم أو ربما يقوم بذلك الأب أن نأكل قليلاً من التمر قبل الفطار، ثم تُعلن الأم أن الفطار قد وُضِع لنأكل جميعا، لكن الأطفال لا يأكلون جيدا، ربما ذلك تأثير فرحة العيد عليهم، فلا يحسنون تناول الطعام، وتعلق الأم بدورها متسائلةً:" كدا كلت...؟ "، وسريعا ما يرتدون ملابسهم الجديدة، والأب بدوره يعطي "العيدية" إلى كل أبناءه بعد أنْ قبِّلوا يديه .


    تُذكِّر  تلك اللمة بدورها أحدهم الذي يفتقد ولده أو أحد إخوته، فربما تمنع ذلك الشخص الغائب الغربةُ، من أن يشاركهم طقوس عيد الفطر المبارك، فهو لا يستطيع أن يحضِر، فيأتي ببال أحدهم أن يتصل به من خلال هاتفه إن لم يكن هو قد اتصل من قبل فيتبادلون التحيات "عيد سعيد، وكل سنه وأنت طيب ويا رب السنة الجاية تكون وسطنا "، ولا تنتهي تلك المكالمة إلا أن ينتقل الهاتف إلى كل أفراد الأسرة، والكل بدوره يلقِّى التحية له بهذه المناسبة السعيدة، فردَ اللهُ كل مغتربٍ عن وطنه وأهله إليهما سالمًا غانمًا .
    فمن بين كل الأعياد السابقة، فالعيدُ هذه السنة سيكون مختلفًا،ونقضيه في البيت، نظرًا لتلك الظروف الطارئة، تلك التي سيُنجَّينا منها الله، وتعود الأيام كما كانت .



    شارك المقال