. ليلى أشملال تكتب.. اغتصاب
أدب بريس | منصة عربية للتدوين

ليلى أشملال تكتب.. اغتصاب




هاأنا ذا أعود إليك بعد عشرين سنة من الغياب، لقد كنت مصرا على الدخول إليك من جديد، من الباب ذاته، أن أطل من تلك النوافذ التي كانت سجنا بالأمس، إن طعم الحرية جميل، فما الذي أتى بي إلى هنا لأشاهد مرة أخرى ملامح كابوس قد عشته مند زمن، يأتي صوت من الخلف لرجل مسن:
- إنها ليست لائقة  لحضرتكم سيدي..
- ناولني المفاتيح أريد البقاء وحدي قليلا هنا إن سمحت..
- حسنا كما تريد سأنتظرك في الخارج

 يرحل العجوز وأتساءل كيف لم يتذكرني!!!  ذلك الذي هددنا يوما برمينا للشارع إن تأخرنا مجددا في تسديد أجرة الكراء، فهل يا ترى كبرت لهذا الحد وتغيرت تفاصيل وجهي!! أم أن ذاكرة الرجل أصيبت بداء النسيان.

حاولت تجاهل الموضوع ثم أغلقت الباب وانفردت بالماضي الآن وجها لوجه، لم أعد أخشى مواجهة ذكريات هذا المنزل، لأنه حقيقتي الوحيدة،  لأنه سنوات سجني ولأنه  الشاهد الوحيد على اغتصاب طفولتي..

أتساءل بعد كل هذا الغياب، كيف اختار القدر أن تكون قصتنا بداخل هذا المنزل المهترء بالتحديد، ولماذا نحن بالذات من اختارتنا الحياة لنتقمص أدوارا لم نحبها يوما وأرغمتنا على حفظ سيناريوهات طويلة ومتعبة استعدادا للرقص ببؤس أمام خشبة القدر لأكثر من شخص ماهمهم أمرنا يوما!! لا أملك جوابا لكل تلك الأسئلة..

صوت ما يرغمني على الرحيل، وإحساسا ما يصرني على البقاء، فهل يا تراه شعور الخذلان أم الحنين! ما أصعب أن تعيش لحظة واحدة بشعورين متناقضين، لقد امتلكني الحنين فعلا لمن فقدت حياتها هنا في سبيلنا، لقد قتلها من جعلني أحس بالعار لأنه منحني إسمه يوما وكنت بنظر الناس حاملا لصفاته أيضا، لقد كنت بنظرهم قاتلا لمجرد أنني أمتلك نسبه، لذلك كان لزاما علي الرحيل من هنا هربا لبلدان أخرى حيث لا أحد يدري بقصتي و لا أحد يعرفني ليسألني عن سر ملامح البؤس في وجهي..

أتذكر كل شيء من جديد، رائحة الخمر الكريهة، الدماء التي تسيل على الأرض، صوت أختي وهي تصرخ وصورة الوحش الذي يقف حاملا سكينا هناك و صوت سيارة الشرطة المزعج، الجرائد تتحدث عن جريمة قتل.. يؤلمني رأسي حينما أتذكر كل هذه الأشياء، أرمي بالمفاتيح على الأرض وأهرب خارجا ليخف وجع رأسي..

قررت أن أشتري هذا المنزل
الذي كان بالأمس يحتضن دموعي، سأشتري هذه الجدران القديمة الطلاء، سأشتريه هذا كل ما قلته للرجل الذي كانت ملامح الاستغراب بادية على وجهه، سيتساءل كثيرا ولا أدري أين سيصل به خياله الضعيف كذاكرته التي لم تتعرف علي،  فكيف يعقل لرجل متيسر الحال أن يشتري منزلا كهذا في حي كئيب، أنا وحدي الذي أملك جوابا لهذا السؤال ،لقد أحببت أن أعذب نفسي بالذاكرة، أن أتوجع كلما دخلته، لقد أردت لي ألما حادا أعاقب نفسي به لأنني لم أستطع فعل أي شيء ذلك اليوم ماعدا البكاء.. مازال رأسي يؤلمني ومازالت طفولة الصغار تغتصب بوحشية كما اغتصبت طفولتي..

بقلم ليلى أشملال


البريد المخصص للتواصل مع إدارة الموقع: contact@adabpress.com