عن وحشة الغُربة..

إشترك في النشرة البريدية

إغلاق القائمة
جميع الحقوق محفوظة لـ أدب بريس | الرئيسية © 2019

الرئيسية / / عن وحشة الغُربة..

عن وحشة الغُربة..



محتويات المقال



    يمكنكم إرسال مساهماتكم عبر البريد الإلكتروني، أدب بريس المنصة العربية التي أنشئت للتعبير عن آراء المبدعين والكُتَّاب دون إقصاء أو تمييز


    عن وحشة الغربة..

    لم أفهم بعد عن مسمى كلمة "غربة" عندما كنت في السادسة من عمري، وعندما كنت أذهب مع والدي إلى أحد الأماكن ليست ببعيدة عن بيتنا كثيرا، ولكني بعد وقت ليس بطويل، أشعر بأني غير آنس ذلك المكان رغم أن أبي معي، وكم كنت كثيرا أُسمع والدي تلك الجملة " عايز أروح "، وتارة يجيبني وتارة لا، وقتها لم أفهم أن ذلك المكان غير بلدتي وبيتي يسمى بالغربة. 

    رغم أن المسافة قصيرة جدا، ولكن المسافات الصغيرة في أعين الصغار طويلة وموحشة، لذا كنت أشعر بعدم راحتي فيها، وكنت أطلب من والدي أن نغادر منها فورا، ولما كبرت.. فهمت معنى " الغربة "، وأدركت أن تلك كانت تناسب طفولتي، وقدر المسافات في عيوني، فماذا عن الغربة في سن العشرين..؟ 

    قصدا في سن شاب في العشرين، الآن تأخذ المسافات في عيوني قدرها الحقيقي، وأدرك أن غربة الأماكن في طفولتي لم تصبح غربة الآن، وإنني لم أجلس فيها لشهور مثلا أو حتى لبضعة أيام، لذا لم تكن غربة قط، وكما قلت " كنت صغيرا لا أفهم ".. ووقتها انتابني شعور الحنين إلى بيتي وأمي وأصدقائي الصغار مثلي، فأعود إليهم فيفارقني ذلك الشعور. 

    تلك هي غربة الأوطان والأماكن، التي لم أفهمها إلا حين كبرت، ويا ليتني ما كبرت، وما عرفت معنى ذلك الشعور بداخلي، وما فهمت سببه، ولكني بحكم الأيام التي مرت، وبحكم طبيعتنا البشرية، وبفضل ذلك الطعام الذي كانت أمي تجعلني أتناوله - قائلةً لي: لكي تكبر - كبرت، وأدركت غربة أخرى ألا وهي غربة الأشخاص، أو غربة شخص واحد، فلا شك ولا عجب في أن تشعر بغربة الأماكن، ولكن عندما تشعر بأنك في غربة وسط أناس تعرفهم جيدا، وتألفهم كثيرا، فكل العجب.. وكل الشك بل وكل الحيرة إذن، حين تشعر بأنك في حاجة له، وأنك تريد أن تعتزل الناس جميعا، لأنك تشعر بالغربة معهم، حين تريد أن تعتزل كل شيئ ألفت فعله سابقا باحثا عن ذلك الشخص بداخلك أولاً..فتجده، ثم يجاورك ثانية..لا تجده، فتشعر بالغربة في النهاية، ولا تستطيع إنهاء ولا محو ذلك الشعور داخلك. 

    فسلاماً إلى كل الأوطان البعيدة عنا رغم أنهم أوطان يسكنون فينا قبل أن نسكن فيهم، ونشتاق إليهم وهم بداخلنا، لكن تبعدنا المطارح. 

    بقلم الكاتب والمدون: أحمد الشحات حسيني


    موقع أدب بريس يوفر لكم خدمة نشر كتاباتكم على منصته، والهدف منها إثراء المحتوى العربي بإبداعاتكم كشباب



    شارك المقال