. كورونا.. والنموذج التنموي
أدب بريس | منصة عربية للتدوين

كورونا.. والنموذج التنموي


يمكنكم إرسال مساهماتكم عبر البريد الإلكتروني، أدب بريس المنصة العربية التي أنشئت للتعبير عن آراء المبدعين والكُتَّاب دون إقصاء أو تمييز



دائما أتساءل، كباقي المغاربة الأحرار، عندما أقارن بلدي ببلدان أخرى، حيث انطلقنا في نفس الفترة، أقصد بذلك فترة نيل الاستقلال، أعني نهاية الخمسينات وبداية الستينيات من القرن الماضي، بداية من محمد الخامس، وخطابه الشهير..  " من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، مرورا بالحسن الثاني وخطابه الشهير للمسيرة الخضراء " غدا ستطؤون أرضا من أرضكم.. "، وصولا إلى محمد السادس، وخطاباته التي لايزال صداها في أذني وكلماته تقرع فؤادي، " من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية " مرورا " بأين الثروة؟ " ،" تحديث الإدارة "، " الشعب مسؤول في اختيار من ينوب عنه "، وصولا إلى خطاب دكار " الحكومة ليست غنيمة " ، وغيرها من الخطابات والمقولات، وأكتفي عند هذه الخطابات الملكية، لأنه لا يسعني المقام لذكرها كلها، ولهذا تساؤلاتي كانت عبارة عن مقارنة بين بلدي المغرب وبعض البلدان التي لا تتوفر على الإمكانيات والثروات الموجودة في المغرب، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر، بلد مثل اليابان، قصف بالقنبلة النووية، في أواسط الأربعينات، وخرج من الحرب العالمية الثانية، وليس في جعبته شيء يقدمه أو يؤخره، فاقد لكل أسباب الحياة، وكذلك لا يتوفر على الموارد الطبيعية والثروات الموجودة في المغرب، ولكن تتوفر فيه الإرادة السياسية، ولهذا هو يقارع أمريكا من الناحية الاقتصادية، هو ثاني قوة اقتصادية في العالم، من الناحية العلمية والتكنولوجية يسبق المغرب بسنوات ضوئية.


مقارنة أخرى بين المغرب وبلد شبيه باليابان هو جارته كوريا الجنوبية، هذا البلد كانت انطلاقته في نهاية الستينيات، ورغم المشاكل والأزمات السياسية التي يعيشها ولازالت مخلفات الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي تخيم عليه، من تقسيمه إلى قسمين جنوبية وشمالية، إلا أن كوريا تجاوزت كل هذه العراقيل وأصبحت قوة اقتصادية يضرب لها ألف حساب، بل الأكثر من ذلك فمنتجاتها الإلكترونية تنافس منتجات أمريكية وأوروبية، وأبرز مثال شركتا "سامسونج" و "إل جي"، رغم هذين البلدين لا يتوفران على موارد ولا ثروات بل هما عبارة عن مجموعة من الجزر الصغيرة في أقصى شرق الكرة الأرضية، بل الأكثر من ذلك يعصفان بهما طوال السنة عدة كوارث طبيعية من زلازل وبراكين وفيضانات، يشيب لهولها الولدان، ورغم كل ذلك يتصدران وينافسان القوى العالمية في جميع المجالات، أما نحن في المغرب نتذيل تصنيفات العالمية في جميع المجالات وهذه إحصائيات المنظمات الدولية شاهد على ذلك، كالأمم المتحدة وما يتفرع عنها من مؤسسات، بل الطامة الكبرى نجد بلد مثل فلسطين المحتلة يحصل على رتبة عالمية مشرفة في مجال تطوير التعليم، حيث حصل في بداية سنة 2017، على جائزة دولية مقدمة من بلجيكا على الرتبة الأولى عالميا في مجال تطوير التعليم و يتقدم على المغرب في التصنيف الدولي في مجال التنمية البشرية، رغم أن البلد ليس معترف به دوليا وفقط حصل منذ عام 2014 على صفة عضو مراقب في الأمم المتحدة، أتساءل لماذا تم إهدار أكثر من 60 سنة، وكيف تم ذلك؟ وما السبيل للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق التنمية الشاملة لكافة ربوع البلاد؟


خصوصا وأن العالم سيعرف تغيرات وتحولات كبيرة جدًا، في المفاهيم والأفكار والتعاملات الفردية والجماعية داخل الدول وخارجها وفي إطار العلاقات والتوازنات الدولية، في زمن كورونا وبعدها.


منذ خروج المحتل الفرنسي والاسباني، بدأ الصراع حول السلطة ومكمن السيادة بين المؤسسة الملكية والأحزاب سليلة الحركة الوطنية، انتهت نحو توجيه البوصلة كافة القوى السياسية نحو استكمال الوحدة الترابية " المسيرة الخضراء وقضية الصحراء المغربية "، وبعد انهيار المعسكر الشرقي بداية التسعينيات من القرن الماضي عرف المغرب تعديلات أجريت على النص الدستوري " 1992-1996 " خلال هذه المدة، أتاحت للمؤسسة الملكية استراتيجيا المحافظة على علاقة جيدة مع المعارضة وتخفيف الاحتقان السياسي في الوقت نفسه.


كما أني لازلت أتذكر منذ بداية الألفية الثالثة، ونحن نسمع الخطابات التي تتحدث عن التنمية البشرية، والمبادرات والأموال التي صرفت للنهوض بهذا المجال، من مؤسسات محمد الخامس والسادس، والبداية كانت من توزيع الخبز والحريرة في رمضان، مرورا بمدن بدون صفيح، وصولا إلى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ولازال المغرب والشعب المغربي يعيش الحرمان والإقصاء والتهميش والهشاشة في كافة المجالات، سواء اقتصاديا واجتماعيا وكدا ثقافيا..،



المشكلة الأخرى من بداية سنة 2000، ونحن نسمع الخطابات تتحدث عن تطوير التعليم، والرقي بقطاع التربية والتكوين، الا أن مع الأسف هذا القطاع رغم صرف الأموال الطائلة عليه، لتأهيله والرقي به، من عدة برامج ومخططات، " الميثاق الوطني، الاستعجالي، إلى تكوين المجلس الأعلى للتربية والتكوين "، إلا أن المغرب في التصنيف الدولي، يتأرجح بين رتبة 126 و129، في مؤشر التنمية البشرية، أين يوجد المشكل إذا؟ هل في المسؤولين أم الشعب؟ أم أن الكل يتحمل المسؤولية حسب إمكانياته والسلطة المعطاة إليه، لأن مبدئ الحكامة الجيدة، دائما يربط المسؤولية بالمحاسبة، من سيحاسب من؟


منذ العهد الجديد عرفت الأحزاب السياسية المغربية ترهل من حيث تجديد النخب والفكر والتواصل مع الشعب، بل الأكثر من ذلك أصبحت الحكومة غنيمة توزع بين الأحزاب السياسية، كنا دائما نشاهد حكومة من عهد حكومات التناوب، تتألف من أربعة أحزاب، الآن بعد خطاب دكار، الحكومة تتألف من ستة أحزاب، ولهذا يجب تأهيل الأحزاب السياسية وإعادة هيكلتها، والابتعاد عن المراهقة السياسية، والنقابية.


يجب الاهتمام كذلك بالأساس بعدما عرف العالم جائحة كورونا، وتم تطبيق سياسة الاحتراز، وتشييد الخناق على حركة النقل وما تبعها من انكماش اقتصادي، ونهج سياسة منع التدفق وتحويل الأموال، من الخارج نظرا للأوضاع الاقتصادية المتردية في الدول المتقدمة، فعلى المسؤولين في البلاد أن يقوموا بإعادة هيكلة السياسة الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب، وتعجيل بتفعيل النموذج التنموي الذي يجب أن يركز بالأساس، على المؤسسات الوطنية، ومؤسسة البعد المواطنة، في كافة مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإعطاء الأولوية للمؤسسات الخدماتية ويأتي في مقدمتها المنظومة التربوية، و الصحية وتأهيلهم على كافة المستويات، وتشجيع القطاع الصناعي الوطني، ودعم المقاولات وتحفيزهم للابتكار والابداع، كما لا يجب أن نغفل على تحقيق الأمن الغذائي وذلك بتأهيل القطاع الفلاحي، واعادة النظر في المخطط المغرب الأخضر والأزرق، بتشجيع السياحة الوطنية، ولن يتحقق ذلك إلا بتطبيق العدالة المجالية والاجتماعية، وتأهيل النسيج الاقتصادي للاستيعاب خريجي الجامعات والمدارس العليا الوطنية، للاستفادة من المؤهلات البشرية المغربية، وتسخير كل الموارد التي تزخر بها البلاد لخدمة المواطن المغربي، وتكثيف التعاون بين الجهات وتبادل الخبرات على مستوى مؤسسات الدولة وتنسيق فيما بينهم، لتحقيق التنمية المندمجة وتفعيل ورش الجهوية المتقدمة والموسعة.

بقلم الكاتب والمدون: اسماعيل سطوري
البريد المخصص للتواصل مع إدارة الموقع: contact@adabpress.com