. قاتل متسلسل ينتقي ضحاياه من المتشردين | رانية هادي
أدب بريس | منصة عربية للتدوين

قاتل متسلسل ينتقي ضحاياه من المتشردين | رانية هادي


يمكنكم إرسال مساهماتكم عبر البريد الإلكتروني، أدب بريس المنصة العربية التي أنشئت للتعبير عن آراء المبدعين والكُتَّاب دون إقصاء أو تمييز

Photo by Luis Villasmil on Unsplash

«قاتل متسلسل ينتقي ضحاياه من المتشردين.»

من خلال منظوري و تفكيري المتواضع، أظن والله أعلم أن هذا القاتل سيكون بلا شك "الجوع". بطن منكمش متقبض، رعشة ورجفة تسري في كل أنحاء الجسم، فم قاحل متصحر جاف يفتقد لعابه الذي يضأل شيئا فشيئاً، أسنان كسولة خاملة عاطلة عن العمل، جسم هزيل ضعيف نحيف قليل الشحم و اللحم، أعين مصوبة نحو المقاهي والباعة المتجولين.. ثم يبدأ الجوع في التحدث، يتحدث عبر البطن التي تستغيث بدورها آملة الحصول على أي كان مما قد يؤكل. عقول تكسوها صور أطباق و"شهيوات" تزيد من حدة الشعور بالجوع، هذا الشعور الذي بات مرافقا لهم آناء الليل وأطراف النهار، قد يتخلصون منه لبضع سويعات لكنه لا يتعدى "فاصل ونواصل".
بعد تفكير مرهق وطويل أظن والله أعلم أن احتمالي الأول كان خاطئا، فهذا المجرم سيكون دون شك "البرد القارس"، خاصة وأن حضوره هذه السنة تميز بالكرم والسخاوة والفائض في الانتاج والتوزيع. رأيتهم عدة مرات يفرشون الارض ويلتحفون السماء.. دعونا من كلام الشعراء ولنتحدث بواقعية، يفرشون "كراطن" و يلتحفون "ميكات" أو قطعة ثوب هزيلة لا تسمن ولا تغني من برد. ملابسهم غير كافية لادفاء نفسها فكيف ستدفئ صاحبها ؟! بها بعض الثقوب والنوافذ، يتبعون الموضة على مضض. ربما الامر سيكون أسهل لو كنا مازلنا نعيش بالعصر الحجري.. على الاقل، سيتمكنون من إضرام النار والالتفاف حولها واصطياد بعض الحيوانات لسد حفر بطونهم. أما في وقتنا الحالي، أكيد سيتمكنون من وصف الحالة الجوية الحاضرة بدقة تفوق دقة النشرات التلفزية.
مهلا مهلا... وجدته ! هذا القاتل سيكون دون شك والله تعالى أعلم "القلب".. القلب الذي يحمل هم الشوارع ;غم الأزقة والطرقات، دقاته تترنح بين القسوة والمعاناة، آلام مميتة قاتلة كأنها أفعى تتحرر من سمها لتبثه في قلوب هؤلاء المساكين، نقص في مشاعر الحنان والحب والعطف وأحيانا فقدانها فقدانا نهائيا، دموع غير مرئية تحفر خدودهم، مرارة الطعم بمرارة ما يعيشونه، أحلام ميتة حكم عليها بالاعدام منذ زمن، حقوقهم باتت أحلامهم المستحيلة.. قلبهم المتهشم هو نفسه ساحة معركتهم في هذه الحياة يغزوه الدمار وكأن هيروشيما أعادت فعلتها الشنيعة. سعادة، فرح، بهجة، غبطة أو حتى سرور.. مفردات فقدت من معاجيمهم حرفيا ومعنويا. الابتسامة الوحيدة التي تعلو وجوههم البالية هي ابتسامة الظفر ببعض اللقيمات أو وجود مكان محتم للمبيت.
بعد إعلان السلطات أن المجرم القاتل ينتمي لفصيلة "الانسان"، أراني و الله أعلم مخطئة، مخطئة في التفريق بين هؤلاء المجرمين الاربعة في حين ان تظافرهم برئاسة "الانسان" أعطى معنى فعليا كاملا وجليا لـ"في الاتحاد قوة".. قوة جعلت المتشردين يوضعون تحت بساط أحمر يدوسه المسؤولون بأحذيتهم التي يعادل ثمنها ثمني وجبة وغطاء لأكثر من شخص.
رانية هادي
البريد المخصص للتواصل مع إدارة الموقع: contact@adabpress.com