. إهداء.. الجزء 2 | رانية هادي
أدب بريس | منصة عربية للتدوين

إهداء.. الجزء 2 | رانية هادي


Photo by Eliabe Costa on Unsplash

المحاولة الرابعة : تأففت.. مرة.. مرتين.. ثلاث مرات.. وضعت كلتا يديها على رأسها الذي كان يغلي بأفكار مشتتة، جالت ببصرها في الغرفة إلى أن استقرت مقلتاها على انعكاس صورتها على مرآة مزخرفة الجوانب، تمنت لو بإمكانها أخذها بين يديها و سؤالها " يا أيتها المرآة، ما هو أجمل إهداء في العالم ؟ "، فتجيبها المرآة بصوت عميق غارق كأنه يسمع من غيابات الجب " إهداؤك هو أجمل إهداء في هذا العالم " ثم تطلق ضحكات و قهقهات ينتشر صداها بشكل تدريجي، أضحكها المكان الذي أخذته إليها مخيلتها، وابتسمت بعد ذلك بأريحية مهمهمةً « لا بأس من السرح بعيدا، فنحن نستحق ذلك ».. فجأة، أضاء فانوس أفكارها وعاد لينير جنبات مكتبها من جديد.. « الاستحقاق ! »، لماذا لا يكون هذا الإهداء إليها؟ أليست هي من سهرت الليالي وارتشفت عشرات بل مئات الكؤوس السوداء من الكافيين لكي تحافظ على مسافة الاستيقاظ بين رموشها؟ أليست هي من هنأت صديقاتها وعائلتها خلال مناسباتهم عبر الهاتف فقط وحبست نفسها بين مكتبها وخزانتها لمدة ستة أشهر كاملة من أجل إنهاء حلمها؟ بلى وبلى وبلى... بل مئة بلى وبلى. هي تستحق ذلك عن جدارة وتقدير، تستحق أن تكتب الإهداء لها، لتعبها وإرهاقها، لكفاحها وصمودها شامخة طوال هذه الأزمات. ثم كتبت بسرعة « إليّ ». وللمرة الآلف، وقد آلمتني يدي بسبب كتابة ذلك مجددا، قامت برمي الورقة المكتوبة، والورقة البيضاء التي تليها، والورقة الفارغة التي تلي البيضاء، والورقة الشاغرة التي تلي الفارغة، والورقة العذراء التي تلي الشاغرة.. النتيجة : مذكرة ممزقة وسط سلة كرات ورقية. السبب : أربع محاولات فاشلة! يا إلهي، وكأن خيال فشل المرة الأولى يصبح واقعا! لا لن تفشل، لن تستسلم، ستعيد الكرة من جديد..

لا لن تفشل، لن تستسلم، ستعيد الكرة من جديد.. تأملت صورة ابنتها ذات الأربع السنوات، ابتسمت بحرقة ثم قالت « محاولة أخيرة من أجلك يا نجمتي ».
المحاولة الخامسة والأخيرة : أخذت ورقة بيضاء ناصعة وقلما أسودا، قامت بإزاحة مكتبها إلى أن التصق بالحائط الذي تتوسطه النافذة، مدت يدها لفتح هذه الأخيرة ثم تذكرت تأنيب زوجها والقلق الذي ستتسبب به له إن لم تعمل بنصائحه. على رؤوس أصابع أقدامها خرجت من الغرفة، جالت بسمعها وبصرها أولا، وما إن تأكدت من غيابه، سارعت إلى فتح النافذة على مصراعيها بترقب وحذر وكأنها طفلة صغيرة تقوم بسرقة الشكولاتة والحلوى من مخبأ أمها السري. اعتدلت على كرسيها ثم أطلقت العنان لمقلتيها متأملة السماء التي امتزجت بها عدة ألوان تشير إلى وقت المغيب. حدرت عيناها نحو ورقتها الخاوية ثم هزت رأسها مجددا نحو السماء، ثم نحو الورقة ثم نحو السماء، إلى أن اتسعت ابتسامتها.
صباح اليوم التالي، قام زوجها بسؤالها عن الإهداء فأجابته أنها قد أتمته ليلة البارحة، ذهب مهرولا لاكتشاف تحفة زوجته، تناول الورقة البيضاء الموضوعة وسط كتاب ما، نظر إليها بإمعان، ابتسم إلى أن تضيقت عيناه و انكمشت جنباتها ثم أرجعها إلى مكانها بحذر.
هل تعلمون ماذا كان الإهداء ؟! .. لا شيء ! تركت الورقة بيضاء فارغة لا تحمل أية أحرف غير العنوان التالي : " إهداء ".

بقلم الكاتبة راني هادي
البريد المخصص للتواصل مع إدارة الموقع: contact@adabpress.com