إهداء.. الجزء 1 | رانية هادي

إشترك في النشرة البريدية

إغلاق القائمة
جميع الحقوق محفوظة لـ أدب بريس | الرئيسية © 2019

الرئيسية / / إهداء.. الجزء 1 | رانية هادي

إهداء.. الجزء 1 | رانية هادي



محتويات المقال



    Photo by Eliabe Costa on Unsplash

    بعد أن قررت تحويل سيرتها الذاتية إلى رواية و نشرها، جلست حائرة تفكر في "الإهداء"، تتلاعب بقلمها بين أصابعها، تقلب صفحات مذكرتها، تغلقها تارة و تفتحها تارة، تنظر هنا وهناك، تتأمل رفوف خزانتها المكتظة، تبتسم ثم تكتب محدثة نفسها:
    المحاولة الاولى :
    « من الأفضل أن يكون الإهداء إلى الكُتَّاب و القراء، لأن الرابط بيننا واضح و جلي و نحن ندعم بعضنا البعض : إلى كل كاتب فاض قلمه و قلبه، إلى كل قارئ ارتفع صوته أثناء القراءة دون أن ينبس ببنت شفة.. عالمي هو عالمكم. »

    نظرت بإمعان شديد إلى ما كتبت، مزقت الورقة ثم ألقت بها نحو سلة الإهداءات.. عفوا أقصد المهملات. لماذا؟ لأنها لامست نوعا من التمييز و التطرف في إهدائها، فهي تتمنى أن يصل صدى روايتها إلى الصغير قبل الكبير، إلى الجاهل قبل العالم، إلى كل من يهتم أو لا يهتم بالكتب.. المهم أن يجتاح ذلك الصدى كل حبة من حبات تراب هذه الأرض. تعلم حق العلم أنها روايتها الأولى، تجربتها الأولى، حلمها الذي تحققه لأول مرة و الذي ستعيده دون أدنى شك مرات عديدة، حلم نشأ بين أناملها كلما حملت قلما، حلم في شهره التاسع.. سيرى النور قريبا و بعد ذلك سيتكاثر، سيتكاثر لكي يخلق أحلاما أخرى.. فجأة، همهمت « ماذا لو فشلت ؟! » فشل أول رواية، فشل الرواية الأولى، رواية أولى فاشلة، أول رواية و أول فشل.. نفضت عقلها من فشل المرة الأولى ثم استغفرت لكي تبعد خفافيش اليأس التي باشرت التحليق فوق رأسها. هي لن تستسلم، هي تعلم ذلك و تشعر بذلك، قلبها و عقلها هذه المرة متحدان، سيعدون الكرة لا محالة، ثم انطلقت تبحث في غيابات عقلها عن إهداء آخر.
    المحاولة الثانية :
    بينما عجلة تفكيرها تدور وتدور، ولج زوجها الغرفة، وضع أمامها حبة الدواء التي نسيت أخذها بعد وجبة الغذاء، أغلق النافذة و باب الشرفة اللتين كانتا معبرا لبرد شديد قارس، نظر إليها بعتاب ثم مضى. ألهمها اهتمام زوجها بها و حرصه على صحتها ثم قالت « الإهتمام... نعم الاهتمام! يجب أن يكون إهدائي إلى الأشخاص الذين يهتمون لأمري و أهتم لأمرهم.» ثم سبحت في بحر ذكرياتها، تذكرت السنوات التي لازمت خلالها الفراش بسبب مرضها، تذكرت عدم قبولها بمدرسة أحلامها بسبب صحتها الضئيلة، تذكرت حادثة السير التي أفقدتها طفلتها الوحيدة، تذكرت وتذكرت وتذكرت ثم ابتسمت.. ابتسمت لأن هذه المآسي مضت، لأن جسمها شكل مضادات حيوية ضد ما فات و أنها في كل مرة كانت تتعلم درسا من دروس الحياة، الامتحان ثم الدرس، هذه هي منهجية الحياة، لماذا؟ لأنها بكل ما في البساطة من تعقيد "الحياة" ! تنهدت بعمق ثم عادت إلى إهدائها. « سأهدي روايتي إلى أمي، أبي، زوجي، أخواتي، صديقتي المقربة، جدتي وجدي بالتأكيد، وطبعا يستحيل أن أنسى خالتي ». حملقت إلى تلك اللائحة الطويلة الشبيهة بلائحة المدعوين إلى مناسبة خاصة، ابتسمت بسخرية ثم أرسلتها إلى سابقتها بالسلة. هذه المرة، تعكر صفو مزاجها بحدة، دموعها رست على جنبات عينيها تنتظر بحماسة و حيوية النزول من أجل اكتشاف العالم المحيط بها، لكن الخيبة أصابت أملهم في ذلك، فكاتبتنا مسحت دموعها و ضيعت عليهم فرصة نيل الحرية، صدق من قال أن الدموع كائنات فضولية !
    المحاولة الثالثة : « لكي يرضي إهدائي الجميع يجب أن يكون شاملا جامعا » ثم ما انفكت تعتصر رأسها محاولة إيجاد تعبير مميز وراق، فمن البديهي أنها لن تكتب " إلى كل الناس " أو " إلى الجميع ". حاولت التفكير في شيء مشترك يقوم به الصغير والكبير، الفقير والغني، الرجل والمرأة ... « التنفس! كلنا نتنفس.. » سارعت إلى خط فكرتها قبل أن تندثر، فالأفكار حينما تحط رحالها برأس أحدهم، على هذا الأخير أن يسارع بإخراجها و طردها بعيدا إلى العالم الخارجي إلى أن تصادف ورقة عذراء، مسجلا صوتيا أو آذانا صاغية، فتعود لتحط رحالها من جديد.

    فن التعامل مع الأفكار هو تماما كفن الصيد، عليك أن تكون صبورا حريصا وحذرا مع فريستك - فكرتك، و حينما يحين الوقت المناسب، تنقض عليها بسرعة البرق. كتبت « إلى كل من يمارس عمليتي الشهيق و الزفير .. هذه الرواية مني إليكم ». و كالعادة، حانت مرحلة الحكم على منتوجها الأخير خلال هذا البث التجريبي الثالث، و كالعادة مرة أخرى، شكلت كرة ورقية تضم إهداءا مبتذلا وسجلت هدفا داخل السلة المألوفة.

    بقلم الكاتبة رانية هادي




    شارك المقال