. الحياة بين قوسين
أدب بريس | منصة عربية للتدوين

الحياة بين قوسين

Photo by Nick Morrison on Unsplash


نسمع كثيراً عن تسمم الأطفال بسبب شرب بعض المواد الكيميائية الموجودة في المنازل ( مواد التنظيف.. حمض الكلوردريك... ). 
في المغرب تخزن عادة هذه المواد في المطبخ وبالتحديد في الدرج الأسفل وبلا قفل حيث يمكن للطفل أن يصل إليها بسهولة، هذا الطفل الذي يدخل المطبخ وهو يتصوره مغارة علي بابا فيبحث عن أثمن ما فيه وخاصة تلك الحلويات الشهيةالتي لا تظهر إلا في في المناسبات الخاصة، لكن ما لا يعرفه الطفل المسكين أنها مخبأة بحرص بعيدا تحت السرير في غرفة النوم أو أحد الأدراج المغلقة. هنا أود أن أسأل الأمهات هل كيلوغرام حلوة أهم من سلامة أبنائكم؟ كيف تخفون ما يلذذ الحياة ويحليها وتبيحون ما يدمر الحياة وينهيها؟ 

هذا ما يذكرني بمفارقة أخرى نجدها في بيوتنا وهي غرفة الضيوف، تلك الغرفة التي نصرف عليها المال الكثير ونبذل في ترتيبها الجهد الكبير ثم لا نقربها ولو كنا في ضيق ذلك من أجل ضيف لا ندري متى يأتي إن كان سيأتي، والمشكل الأكبر هو أنه حتى هذا الضيف نستكثرها فيه. فبعد مغادرته تبدأ تعليقات ربات البيوت: " لقد أفسدوا ترتيب الغرفة ".. " لقد وسخ أطفالهم السجاد " ...الحقيقةأننا نكذب على أنفسنا بادعاء الحفاظ على شيئ من أجل الآخر، أنانيتنا المفرطة تولد حب تملك متوحش يجعلنا نرتبط بأشياء عادية ونسعى للمحافظة عليها بشدة لدرجة أن نحرم أنفسنا من التمتع بها وتقاسمها مع من نحب فنعيش في خوف من ضياعها وحتى من فقدانها وللأسف تنتهي أعمارنا وتبقى هي بعدنا لسنوات أو ربما لقرون. 


وقد ينتقل هذا الحرص من الأشياء المادية كالأثاث والمجوهرات والمال، إلى أشياء حسية كأن نغلق قلوبنا مثلا ونحرم عليها الحب مدعين أننا نحفظها لمن يستحقها والحقيقة أننا نريدها أن تبقى لنا فنخاف عليها الألم والإنكسار فنضيع لذة الحب وإحساس الضياع وحرقة الشوق ولهفة اللقاء ورهفة الفؤاد وجراح الفراق، نمنعها من أن تتفتح وأن تكبر ونمنع أنفسنا من تذوق كل هذه الأحاسيس وعيشها، وإن كان فيها حزن وألم، فهي ما يجعل الإنسان إنسانا، فالحياة ليست جنة كاملة كلها لذات، وليست جهنم حارقة كلها عذاب، والسيئ هو عندما نقرر فتح القلب نجدنا قد أضعنا مفتاحه وأن بابه قد صدأ كمن أحب قميصا فخبأه لمناسبة جديدة فتتوالى المناسبات وهو يكنزه خوفا عليه ويوم تأتي المناسبة الموعودة يجد أن مقاسه لم يعد مناسبا. 


إن حب التملك المرضي يجعلنا نعمى عن إبصار جوهر الأشياء والهدف من وجودها وخوفنا الهوسي بفقدانها يجعلنا نسجن أنفسنا معها فلا نخرج ولا نجازف بعيش الحياة كما هي بجوهرها وتفاصيلها بكلها وجزئياتها.


يجب أن نبتعد عن كل التعاريف والقوالب الجاهزة الموضوعة لكسلاء الفكر ونعيد صياغة تصورنا عن الأشياء ولقيمتها وأهميتها في دورها وأيضا تحديد المعنى الحقيقي للحياة والمتعة والسعادة والألم والحزن ولوجودنا في هذا المكان، ففي النهاية سنجد أنفسنا أزلنا العديد من النظارات السميكة التي تعيق رؤيتنا للجمال المحيط بنا وسنحرر من قيود تغللنا وتمنعنا من الإنطلاق والإكتشاف والتحدي، سنكتشف أيضا أننا نملك ما يزيد أو على الأقل ما يلزمنا لننطلق ونصب لما نريد وأننا سنستمتع أكثر في الطريق لتحقيق الأهداف من لحظة الوصول إليها وتحقيقها وهكذا سنبقى في استمتاع دائم ونحن مستمرون في الطموح والتقدم فكما يقال " متعة السفر أهم من هدف السفر " .. 


لقد إخترعنا القوسين لنحاصر الأشياء الثانوية ونركز على المهم، لكننا أصبحنا نعيش بين قوسين وتركنا المهم.



بقلم .. الأستاذ محمد علمي وهابي



البريد المخصص للتواصل مع إدارة الموقع: contact@adabpress.com